بعد منتصف الليل بساعتين، حين انفضّ المجلس في الدرعية وعادت السيارات السوداء إلى طرق الرياض السريعة كأسرابٍ صامتة، وجد سلطان الرشيدي نفسه يقود سيارته بنفسه نحو الشمال. لم يكن الطريق إلى الفيلا المعزولة شمال الرياض—تلك التي يملكها أحد صناديق العائلة تحت اسمٍ وسيط—مخططاً مسبقاً. لكنه كان ضرورياً. رسالةٌ قصيرة وصلتْ من نايف العتيبي وهو لا يزال يجلس في مجلسه بجانب الوزير: «العقد. الليلة. الفيلا الشمالية. لا مستشارين». لم يُجب سلطان الرشيدي. اكتفى بأن ضغط على دواسة الوقود أكثر.
الفيلا كانت كتلةً بيضاء منخفضة وسط أرضٍ صحراويةٍ خالية، جدرانها زجاجيةٌ من الجهة الجنوبية تطلّ على قطع أراضٍ فارغة تمتدّ حتى الأفق، كأنّ المدينة نفسها ترفض الاقتراب. دخل سلطان الرشيدي من الباب الجانبي، خلع نعليه على العتبة الرخامية الباردة، ومشى حافياً على الأرضية الرخامية المصقولة. البرودة صعدتْ من أخمص قدميه إلى ساقيه كتحذير. الهواء داخل الفيلا كان مضبوطاً على درجةٍ منخفضة، يحمل رائحة القهوة المحمّصة الطازجة ورائحة خشب الصندل الخفيفة من الشموع التي أُضيئتْ في الزوايا. همهمةٌ خافتة مستمرة—نظام الأمن الداخلي، الكاميرات والمستشعرات—تملأ الخلفية كنبضٍ ميكانيكيّ لا ينقطع.
نايف العتيبي كان هناك قبله. يقف أمام الجدار الزجاجي الكبير، ظهره إلى الغرفة، بشته الكحلي ملقى على ظهر كرسيٍّ جلدي، وثوبه الأبيض مفتوح الأزرار العلوية قليلاً. ضوء القمر يدخل شرائط طويلة عبر الزجاج، يقطع الأرضية الرخامية إلى خطوطٍ فضيةٍ وسوداء، ويرسم على كتفيه ظلالاً حادة. على الطاولة المنخفضة أمامه لوحٌ إلكتروني مفتوح، وفنجانان من القهوة—أحدهما فارغ تقريباً، والآخر لا يزال يحمل رشفةً أخيرة باردة.
—تأخرت —قال نايف العتيبي دون أن يلتفت، صوته هادئ كسطح ماءٍ راكد.
—كنتُ أودّع الوزراء. بعضهم يعتقد أننا صرنا إخوةً في الدم —أجاب سلطان الرشيدي، مشى حتى وقف على الطرف الآخر من الطاولة. رائحة نايف العتيبي—عودٌ أخفّ، ليمون، جلدٌ دافئ—وصلتْ إليه فوراً، اختلطتْ بالطعم المعدنيّ للقهوة التي تركها في فمه من المجلس. التقط الفنجان البارد، شرب رشفةً. الطعم مرّ، معدنيّ، كدمٍ قديم.
نايف العتيبي استدار أخيراً. عيونه البنية الذهبية تلمع في ضوء القمر. ابتسامةٌ صغيرة مائلة—نفس الابتسامة التي ارتسمتْ في الممر الطيني—ثم اختفت.
—اجلس. بندود العقد لن تنتظر حتى الصباح. أبواب الفيتو. نسب الإيرادات. حقّ الاعتراض على التعيينات في المنطقة الذكية رقم سبعة. والدك يريد فيتوًا مطلقاً على أيّ قرارٍ تشغيلي. والدي يريد خمسين بالمئة من صافي الأرباح قبل الضرائب، وحقّ النقض على أيّ شريكٍ أجنبي. هذا ليس تحالفاً. هذا حربٌ مكتوبة.
سلطان الرشيدي جلس على الوسادة الجلدية المنخفضة، قدماه الحافيتان تلامسان الرخام البارد. فتح اللوح الإلكتروني، مرّر أصابعه على البنود. الخطوط السوداء تبدو كسكاكين صغيرة.
—مجموعة الرشيدي تدخل بالأرض والتخطيط والتمويل الأولي. أنتم تدخلون بالتشغيل والشبكات. خمسون بالمئة؟ أنت تمزح. أربعين. وفيتو مشترك على التعيينات العليا فقط. أيّ شيء أقلّ من ذلك يعني أنّكم تسرقون الرؤية باسم الشراكة.
—أربعين؟ —ضحك نايف العتيبي ضحكةً قصيرة جافة، اقترب وجلس على الوسادة المقابلة، ركبتاه تكادان تلامسان ركبتي سلطان الرشيدي تحت الطاولة المنخفضة—. أنت تعرف أنّ التشغيل هو ما يحوّل الرمال إلى أبراج. بدوننا تبقى خرائطك حبراً على ورق. خمس وأربعين. وفيتو منفرد لنا على أيّ مقاولٍ من خارج التحالف. هذا أو نعود غداً إلى الوزير ونقول له إنّ الوحدة انهارت قبل أن تبدأ.
سلطان الرشيدي شعر بالحرارة تصعد في صدره رغم برودة الرخام. همهمة نظام الأمن تملأ الصمت بين الجمل. رفع عينيه. نايف العتيبي كان يراقبه كمن يراقب فريسةً تعرف أنها محاصرة.
—أنت تتعمّد أن تجعلني أغضب —قال سلطان الرشيدي بصوتٍ منخفض—. في الدرعية، في الممر، والآن هنا. كل شيءٍ محسوب.
—ربما —أجاب نايف العتيبي، مال إلى الأمام قليلاً. رائحة الليمون صارت أقوى—. أو ربما العقد نفسه هو الغضب. اقرأ البند السابع عشر. حقّ الانسحاب الأحادي بعد ثمانية عشر شهراً مع تعويضٍ رمزي. والدك أدخله. تعرف ماذا يعني؟ يعني أنه ينتظر اللحظة التي يكسرك فيها. «اكسره». أليس هذا ما قال؟
سلطان الرشيدي Tightened فكّه. الكلمة عادت كطعمٍ معدنيٍّ في فمه. دفع اللوح الإلكتروني عبر الطاولة بقوة. اللوح انزلق على الرخام البارد، كاد يسقط، لكن أصابع نايف العتيبي الطويلة أمسكتْ به في اللحظة الأخيرة. ثم—بدلاً من أن تسحب يدها—أمسكتْ بمعصم سلطان الرشيدي. القبضة لم تكن عنيفة. كانت ثابتة، دافئة، أصابعٌ تلفّ العظم والنبض.
اللمس طال أكثر مما ينبغي. أكثر من الغضب. نبض سلطان الرشيدي ضرب تحت أصابع نايف العتيبي. الهواء بين الجسدين صار ثقيلاً. ضوء القمر يرسم شريطاً فضياً على ظهر يد نايف العتيبي، وعلى الحلقة الذهبية التي تلمع كلما تحرّك إصبعه.
—اترك يدي —همس سلطان الرشيدي، لكنّه لم يسحبها.
—لا —أجاب نايف العتيبي، صوته أعمق، أقرب. عيونه لا تترك عيني سلطان الرشيدي—. أنت تدفع اللوح كأنّك تدفعني. لكنك لا تريد أن أبتعد. أشعر به. تحت الغضب. تحت أمر والدك. شيءٌ يحترق. نفس الشيء الذي كان في الممر حين أمسكتَ بياقتي.
سلطان الرشيدي شعر بالبرودة تترك قدميه، وتحلّ محلها حرارةٌ تصعد من المعصم إلى الذراع إلى الصدر. همهمة النظام الأمني بدتْ أعلى فجأة. الطعم المعدنيّ للقهوة لا يزال على لسانه. الجدار الزجاجي خلف نايف العتيبي يعكس صورتيهما باهتتين: جسدان متقاربان، أيدٍ متشابكة فوق اللوح.
ثم—بدلاً من أن يدفع—مال سلطان الرشيدي إلى الأمام. يده الحرة ارتفعتْ، ووجدتْ كتف نايف العتيبي. أصابعه انزلقتْ فوق القماش الأبيض، رسمتْ الخطّ الصلب للكتف، ثم انحدرتْ إلى عظمة الترقوة الظاهرة فوق الزرّ المفتوح. اللمس كان بنفس الشدّة التي يستخدمها حين يهدّد في قاعة اجتماعات. لكنّه هنا كان شيئاً آخر. غزواً واستسلاماً في آن.
نايف العتيبي لم يتحرك بعيداً. بل أرخى قبضته على المعصم قليلاً، وترك أصابعه تنزلق إلى أعلى، تلمس داخل معصم سلطان الرشيدي، النبض، الجلد الساخن. ثم رفع يده الأخرى ووضعها على كتف سلطان الرشيدي الآخر. أصابعه رسمتْ الترقوة من الجهة الثانية، كأنها تقرأ خريطةً سرّية.
—أنت تحترق —همس نايف العتيبي، نفسه يلامس خدّ سلطان الرشيدي الآن—. وأنا أيضاً. منذ كافد. منذ أن نظرتَ إليّ كأنّك تريد أن تقتلني أو... هذا. لا تقل الكلمة. لا نحتاجها.
سلطان الرشيدي أغلق المسافة. الجسدان اقتربا حتى صار الثوب يلامس الثوب، والحرارة تنتقل مباشرة. يده على كتف نايف العتيبي انزلقتْ إلى خلف رقبته، أصابعه تدخل في الشعر القصير عند القفا. الرأس مال. الشفاه لم تلتقِ بعد، لكن التنفس اختلط. رائحة الليمون والعود والقهوة المعدنية صارت هواءً واحداً. ضوء القمر يخطّ خطوطاً على وجهيهما، يجعل العينين تلمعان—القهوة المرة والذهب البني.
نايف العتيبي ضغط أكثر. يده على الترقوة انزلقتْ إلى أسفل قليلاً، تلمس عظمة الترقوة بأكملها، ثم تعود إلى أعلى، كأنها تؤكد الملكية. اليد الأخرى لا تزال تمسك بالمعصم، لكنّها الآن تشدّ سلطان الرشيدي أقرب. الركبتان تلامستان تحت الطاولة. البشت الملقاة على الكرسي بدتْ بعيدة كعالمٍ آخر. همهمة النظام الأمني مستمرة، ثابتة، كأنها الشاهد الوحيد.
—في الضوء نمثّل —قال نايف العتيبي بصوتٍ خشن، شفتاه تكادان تلامسان شفتي سلطان الرشيدي—. هنا... لا كاميرات خارجية. لا عائلات. فقط هذا. أنت تريد أن تكسرني. وأنا أريد أن أرى كيف تنهار أنت أولاً. لكن الانهيار... يبدو أجمل مما توقعت.
سلطان الرشيدي لم يجب بالكلمات. أجاب بالحركة. يده على القفا شدّتْ، والرأس اقترب حتى لامستْ جبهتاهما. العيون مغلقة للحظة، ثم فُتحت. كلاهما ينظر. كلاهما يختار. المسافة الأخيرة أُغلقتْ بوعيٍ كامل. الشفاه لامستْ—لا كقبلةٍ ناعمة، بل كإقرارٍ عنيف، كعقدٍ جديد يُوقَّع بالجلد والحرارة. الطعم المعدنيّ للقهوة اختلط بطعم فم نايف العتيبي. اليد على الترقوة ضغطتْ أكثر، ترسم العظمة كأنها تكتب اسماً. اليد الأخرى تمسك بالمعصم كأنها تمنع الهروب—أو تمنعه هو نفسه من الهروب.
اللمس تصاعد. أيدي سلطان الرشيدي انتقلتْ إلى كتفي نايف العتيبي، رسمتْ العضلات تحت القماش، ثم إلى الترقوتين معاً، أصابعٌ تضغط وتستكشف بنفس الشدّة التي كانت تُستخدم لتهديد الخصوم في المجالس. نايف العتيبي ردّ بالمثل. يداه على صدر سلطان الرشيدي، ثم على كتفيه، ثم تعودان إلى الرقبة، تلمسان النبض الظاهر. كل لمسةٍ تحمل غزواً واستسلاماً. كل تنهيدةٍ تقول ما لا يُقال: أريد. أريد أن أمتلك. أريد أن أُدمَّر. لكن الكلمة نفسها لم تُنطَق.
الجسدان وقفا أخيراً. نهضا معاً من الوسائد، الطاولة المنخفضة بينهما أصبحتْ عائقاً صغيراً دُفع جانباً. قدما سلطان الرشيدي الحافيتان على الرخام البارد، وقدما نايف العتيبي كذلك—كان قد خلع نعليه منذ البداية. البرودة تحت الأقدام تتناقض مع الحرارة بينهما. مشيا—أو دُفعا—نحو الجدار الزجاجي. ضوء القمر يرسمهما الآن بوضوح: ظلاّن طويلان على الزجاج، الجسدان متلاصقان، الأيدي لا تزال ترسم الأكتاف والترقوات كأنها خرائط حرب.
سلطان الرشيدي ضغط نايف العتيبي بظهره إلى الزجاج البارد. الزجاج يرنّ خفيفاً. خلفهما الصحراء الفارغة، قطع الأراضي الخالية تمتدّ تحت القمر كأنها تنتظر شيئاً ينفجر. نايف العتيبي لم يقاوم. بل لفّ ذراعيه حول خصر سلطان الرشيدي، يديه تضغطان على الظهر، ثم تصعدان إلى الكتفين من الخلف. الجباه تلامس. الأنفاس سريعة. العيون مفتوحة. كلاهما يرى الآخر يحترق.
—هذا... لن ينتهي هنا —همس سلطان الرشيدي، صوته مكسور قليلاً، يده لا تزال على ترقوة نايف العتيبي، الإبهام يرسم دائرةً بطيئة فوق العظمة.
—أعرف —أجاب نايف العتيبي، شفتاه تلامسان زاوية فم سلطان الرشيدي—. العقد. العائلات. الفضيحة إن عُرفت. لكن الليلة... الليلة اخترنا. بعيونٍ مفتوحة.
اللمس الأخير طال. الأيدي ترسم الأكتاف مرةً أخيرة، الترقوات، النبض تحت الجلد. ثم—ببطء، كأنّهما ينفصلان عن مغناطيس—أبعد سلطان الرشيدي جسده قليلاً. نايف العتيبي أرخى ذراعيه. التنفس لا يزال متقطعاً. الشفاه حمراء قليلاً من الضغط. الثوبان متجعّدان عند الأكتاف. على الأرضية الرخامية، اللوح الإلكتروني لا يزال مفتوحاً على بنود الفيتو والإيرادات، كأنّ الحرب لم تتوقف.
لم يتبادلا وعوداً. لم يقل أحدهما «غداً» أو «مرة أخرى». سلطان الرشيدي التقط بشته من الكرسي، ارتداه ببطء. نايف العتيبي أزرّ زراً واحداً في ثوبه. نظر أحدهما إلى الآخر عبر ضوء القمر. في العيون نفس الشيء: الرغبة المحرقة، والولاء المحترق، والثمن الذي لم يُدفع بعد.
—سأراجع النسب —قال سلطان الرشيدي بصوتٍ عاد إلى برودته الظاهرة، لكنّه كان أجشّ—. أرسل التعديلات قبل الفجر.
—سأفعل —أجاب نايف العتيبي، ابتسامته المائلة عادت، لكنها الآن تحمل شيئاً أعمق، أخطر—. والفيتو... سنتحاور فيه. شخصياً.
سلطان الرشيدي استدار نحو الباب. مشى حافياً على الرخام البارد حتى العتبة، ارتدى نعليه. فتح الباب. الهواء الصحراوي الليلي دخل، جافّ وحارّ نسبياً مقارنةً ببرودة الفيلا. قبل أن يخرج تماماً، التفتَ مرةً أخيرة. نايف العتيبي لا يزال واقفاً أمام الزجاج، ضوء القمر يخطّه كتمثال. اليد التي لمستْ الترقوة لا تزال ترفع قليلاً، كأنّها تتذكر.
ثم أغلق الباب. سيارة سلطان الرشيدي انطلقتْ على الطريق الترابي نحو الرياض. خلفه، الفيلا بقيتْ مضاءةً بأضوائها الخافتة.
داخل الفيلا، نايف العتيبي بقي لحظاتٍ إضافية أمام الزجاج. ثم التقط اللوح، أغلقه. مشى نحو الممر الداخلي. لم يلاحظ—ولم يكن ليهتمّ لو لاحظ—أنّ الكاميرا الداخلية المثبتة في الزاوية العليا من الجدار، فوق الرفّ الخشبي، كانت لا تزال تعمل. نظام الصيانة الليلي الذي نُسي تعديله قبل أسبوعين تركها نشطة. العدسة الصغيرة سجّلتْ كل شيء: الظلّين المتلاصقين ضد الزجاج، الأيدي على الأكتاف والترقوات، الجسدين اللذين اختارا أن يغلقا المسافة بعيونٍ مفتوحة. التسجيل حُفظ تلقائياً في السحابة الداخلية للفيلا، ملفّاً صامتاً ينتظر من يفتحه.
في السيارة، سلطان الرشيدي قاد في الظلام. كلمة والده «اكسره» تدور في رأسه. لكنّه الآن يشعر بنبض نايف العتيبي لا يزال تحت أصابعه، وحرارة الترقوة، والطعم المعدنيّ الذي اختلط بشيءٍ آخر. الرغبة خرجتْ من القمقم تماماً. والعقد—ذلك الورق الإلكتروني—صار أثقلاً. لأنه لم يعد يعرف أيّ بندٍ يريد أن يكسره أولاً: الإمبراطورية... أم الرجل الذي تركه أمام الزجاج، والذي سيطارده طعم القهوة المعدنية ورائحة الليمون حتى الفجر.
الليلة لم تُغلق فيها الكاميرات. والثمن—الذي همسا به في الدرعية—بدأ الآن يعدّ أيامه.