انقضت ساعاتٌ قليلة فقط منذ أن غادر سلطان الرشيدي برج كافد، والرائحة التي عَلِقتْ في أنفه—عودٌ ثقيلٌ مختلطٌ بحبرٍ طازجٍ وغضبٍ بارد—لم تفارقه. الهاتف المشفر في جيبه الداخلي لا يزال يحمل الكلمة الواحدة من والده: «اكسره». لكن الليلة لم تكن ليل كسر. الليلة كانت ليلَ تمثيل. رسالةٌ رسميةٌ وصلتْ إلى كلا الوريثين قبل الغروب مباشرة: حضور إلزامي في مجلسٍ ليليٍّ بالدرعية التاريخية، في الجناح المرمم من الطين والجبس، بحضور وزراء ومستثمرين حكوميين وممثلين عن رؤية ألفين وثلاثين. «لإظهار الوحدة العائلية تحت مظلة المشروع المشترك». الوحدة. الكلمة نفسها كانت سكيناً تدور في حلق سلطان الرشيدي وهو يقف أمام المرآة في قصره بحي السفارات، يرتدي الثوب الأبيض النقي والبشت الأسود المطرز بخيوطٍ ذهبيةٍ رفيعة، والغترة البيضاء مثبتةً بعقالٍ أسود. عيناه لون القهوة المرة تحدّق في انعكاسه: وجهٌ صارم، فكٌّ مشدود، شفتان مغلقتان كأنّهما تخفيان دماً.
وصل إلى الدرعية مع حلول العتمة الكاملة. الهواء الصحراوي الجاف يضرب الوجه ككفٍّ ناعمةٍ ساخنة، يحمل رائحة اللبان المحترق من المباخر النحاسية المنتشرة على طول الممرات الطينية، ورائحة لحم الخروف المشوي على الفحم في الساحة الخلفية، ورائحة ترابٍ قديمٍ مبللٍ قليلاً بندى الليل. الجدران الجبسية المنحوتة بنقوشٍ نجميةٍ وسعفيةٍ تلمع تحت ضوء الفوانيس النحاسية المنخفضة، ضوءٌ كهرمانيٌّ دافئٌ يرقص على الأسطح الخشنة ويترك ظلالاً طويلةً كأصابعٍ متهمة. من الفناء الداخلي يأتي صوت العود البعيد—نغماتٌ بطيئةٌ حزينةٌ تتخللها دقاتٌ خفيفةٌ على الطبل—كأنّ الموسيقى نفسها تعرف أنّ شيئاً سيُكسر الليلة.
نايف العتيبي كان قد وصل قبله. رآه سلطان الرشيدي من البوابة الخشبية الثقيلة: واقفاً في منتصف المجلس الكبير، يضحك ضحكةً هادئةً مع وزيرٍ كبير، يده اليمنى تمسك بفنجان قهوةٍ صغير، والبشت الكحلي ينسدل على كتفيه كظلٍّ ملكي. الثوب الأبيض تحته مشدودٌ على جسده الطويل، والزرّ العلوي مفتوحٌ قليلاً يكشف عن عنقٍ أسمر وحلقة ذهبية تلمع على إصبعه الأوسط كلما حرّك يده. عيونه البنية الذهبية التقطتْ سلطان الرشيدي فور دخوله، وابتسامةٌ مائلةٌ صغيرةٌ ارتسمتْ على شفتيه—ابتسامةٌ تقول: أهلاً يا شريكي، هيا نمثّل.
جلسوا جنباً إلى جنب. لا خيار. الوسائد الجلدية المنخفضة على السجادة الحمراء الثقيلة رتّبتْ بحيث يكون الوريثان في المنتصف، محاطين بكبار المسؤولين من الجانبين. العائلات تراقب. رجالٌ من آل الرشيدي في الصف الأيسر، ينظرون بعيونٍ حادةٍ كسكاكين مخبأة. رجالٌ من آل العتيبي في اليمين، يبتسمون ابتساماتٍ محسوبة. كل حركةٍ ستُسجَّل. كل نظرةٍ ستُحلَّل لاحقاً في مجالس خاصة. سلطان الرشيدي شعر بثقل البشت على كتفيه كقيدٍ ذهبي. جلس مستقيماً، كفيه على ركبتيه، بينما نايف العتيبي استرخى قليلاً إلى الجانب، ساقه تكاد تلامس ساق سلطان الرشيدي تحت طيات الثوب.
بدأ تقديم القهوة. الدلّة النحاسية اللامعة دارتْ من يدٍ إلى يد. عندما وصلتْ إلى سلطان الرشيدي، أمسك بها بثبات. ثم جاءت أصابع نايف العتيبي—طويلة، دافئة، تحمل حلقةً ذهبية—ولامستْ أصابعه وهو يمرّر الدلّة. لم تكن لمسةً عابرة. أصابع نايف العتيبي انزلقتْ ببطءٍ متعمّد على ظهر يد سلطان الرشيدي، ثم على مقبض الدلّة، كأنّها تبحث عن نبض. سلطان الرشيدي Tightened قبضته. أصابعه اشتدتْ حول النحاس الساخن حتى ابيضّتْ مفاصله. الحرارة انتقلتْ من المعدن إلى جلده، ثم صعدتْ إلى ذراعه. لم ينظر إلى نايف العتيبي، لكنّه شعر بنظرته الجانبية، الثقيلة كيدٍ على رقبته. صبّ القهوة في الفناجين الصغيرة ببطءٍ مسيطر، صوته الداخلي يصرخ: لا تُظهر شيئاً. لا تدعهم يرون.
—بارك الله فيكما —قال الوزير الكبير، الرجل نفسه الذي ضحك في كافد صباحاً—. تحالف الرشيدي-العتيبي هو روح الرؤية. نريد أن نراه في كل تفصيلة. في الإدارة. في التنفيذ. في... الصداقة.
ضحكٌ مهذبٌ ملأ المجلس. سلطان الرشيدي رفع فنجانه، شرب رشفةً مرّة. نايف العتيبي قال بصوتٍ عسليٍّ يصل إلى الجميع:
—الصداقة تُبنى على الثقة، يا معالي الوزير. ومجموعة العتيبي مستعدةٌ أن تثق... تماماً. طالما أنّ الشفافية تبقى كما اتفقنا.
كلمة «تماماً» خرجتْ ببطء. سلطان الرشيدي شعر بها كإبرةٍ تحت الجلد. أجاب بصوتٍ مقصوص:
—مجموعة الرشيدي لا تخشى الثقة. تخشى فقط أن تُستغل.
الضحك خفّ قليلاً. أحد رجال آل العتيبي سعل. الموسيقى البعيدة استمرت. رائحة اللبان ازدادت كثافةً مع هبوب نسمةٍ صحراويةٍ جافةٍ من النافذة المفتوحة، تحمل معها رائحة اللحم المشوي ورائحة الطين القديم.
الساعات مرتْ كالرمل في ساعةٍ زجاجية. مدائحٌ متبادلة. خطاباتٌ عن المنطقة الذكية رقم سبعة. خرائطٌ تُعرض على شاشاتٍ صغيرةٍ محمولة. سلطان الرشيدي يمدح «كفاءة» العتيبيين في التشغيل. نايف العتيبي يمدح «رؤية» الرشيديين في التخطيط. كل كلمةٍ كانت كذبةً لامعة. تحتها، الرغبة في التدمير تغلي. لكن شيئاً آخر يغلي أيضاً. كلما مال نايف العتيبي قليلاً ليأخذ فنجاناً أو يهمس لمستشار، كانت رائحته—عودٌ أخفّ، ليمونٌ حمضيّ، جلدٌ دافئ—تصل إلى أنف سلطان الرشيدي. كلما تحرّك، حكّ البشت الكحلي ضد ثوب سلطان الرشيدي الأبيض، صوتٌ خفيفٌ كحفيفٍ محظور. نبضٌ في حنجرة نايف العتيبي يراه سلطان الرشيدي من زاوية عينه، ويتخيّل كيف سيكون تحت أصابعه.
ثم جاء دور الشعر. شاعرٌ رسميٌّ وقف في وسط المجلس، يرتدي شماغاً أحمر، وبدأ يُلقي قصيدةً في مدح التحالف والرؤية والوطن. كلماتٌ فخمةٌ عن السيوف التي صارت أقلاماً، عن الرمال التي صارت أبراجاً زجاجية. الجميع يصفق. سلطان الرشيدي يصفق. نايف العتيبي يصفق. لكن أثناء التصفيق، مال نايف العتيبي نحوه تحت ذريعة ترجمة لهجة أحد الضيوف الأجانب الجالسين بعيداً. صوته انخفض حتى صار همساً لا يسمعه إلا سلطان الرشيدي، شفتاه تكادان تلامسان أذن الوريث الآخر:
—هذه الليلة تمثيلٌ جميل، يا سلطان الرشيدي. لكن كل ابتسامةٍ هنا ستكلّفنا. أنت تعرف ذلك. أنا أعرف. وعائلاتنا تنتظر اللحظة التي ينهار فيها أحدهما. الليلة لن تنتهي بانحناءةٍ مهذبة.
سلطان الرشيدي لم يحرّك رأسه. قلبه يدقّ في أذنيه. أجاب همساً أشدّ برودة:
—الكلفة ستكون أعلى مما تتخيّل، يا نايف العتيبي. ابقَ قريباً... كي أراك وأنت تدفع.
الشاعر انتهى. التصفيق علا. ثم... انطفأت الأضواء.
فجأة. كاملة. كأنّ يداً قطعتْ التيار عن الجناح الطيني المرمم. الظلام سقط كسجادةٍ سوداء. الفوانيس النحاسية انطفأتْ مع الكهرباء، أو ربما انقطع الغاز عنها. صرخاتٌ خفيفةٌ مهذبة. أصواتٌ تتحرك. «لا تقلقوا... خللٌ بسيط... المولدات ستعمل». لكن في الزاوية التي كانا يجلسان فيها، قرب الممر الضيق المؤدي إلى الجناح الخلفي، نهض الاثنان معاً بالفطرة. خطواتٌ في العتمة. يدٌ—يد نايف العتيبي—لمستْ ذراع سلطان الرشيدي لتوجهه بعيداً عن الحشد. «من هنا... الممر أأمن». صوتٌ منخفض. ثم دخلا الممر معاً.
الممر غير مضاء. جدرانٌ طينيةٌ ضيقة، سقفٌ منخفض، رائحة ترابٍ رطبٍ ولبانٍ باقٍ. الهواء أثقل. الريح الصحراوية تدخل من شقوقٍ صغيرة، تحمل حرارة النهار المتبقية. الظلام مطلق. لا يرى سلطان الرشيدي شيئاً إلا شبحاً باهتاً لجسد نايف العتيبي أمامه. ثم توقفا. الممر ينتهي ببابٍ مغلق. خلفهما أصوات المجلس تبتعد. أمامهما صمت.
التنفس. صوت التنفس فقط. سلطان الرشيدي يسمع تنفس نايف العتيبي—عميقاً، مسيطراً، لكن أسرع قليلاً. يشعر بحرارته. الجسدان قريبان جداً في الضيق. البشت يحتكّ بالبشت. الثوب بالثوب. رائحة الليمون والعود تملأ الأنف. سلطان الرشيدي يشعر بنبضه في عنقه، ويسمع—أو يتخيّل—نبض نايف العتيبي. اليد التي لمستْ ذراعه لم تنسحب فوراً. أصابع نايف العتيبي بقيتْ لحظةً أطول، ثم انزلقتْ ببطءٍ إلى الأسفل، كأنها ترسم خطاً غير مرئي.
—الظلام يناسبك —همس نايف العتيبي، صوته أقرب مما ينبغي، دافئٌ كالحرير فوق شفرة—. في الضوء نمثّل. هنا... لا حاجة.
سلطان الرشيدي لم يتراجع. شعر بالحرارة تصعد من صدره إلى وجهه. يده اليمنى ارتفعتْ في العتمة، ووجدتْ—دون أن يقصد تماماً—ياقة ثوب نايف العتيبي. أمسك بها. ليس بقوةٍ كافيةٍ للأذى، لكن كافيةٍ للإحساس. الجلد تحت القماش. النبض. الحنجرة التي كان يراقبها طوال اليوم. صوتُه خرج خشناً:
—أنت تتعمّد كل شيء. اللمسات. الهمسات. الابتسامات للكاميرات. تريد أن تجعلني أفقد السيطرة أمام الجميع.
—ربما —أجاب نايف العتيبي، ولم يبتعد. بل مال أكثر، حتى صار نفسُه يلامس خد سلطان الرشيدي—. أو ربما أريد أن أرى كيف يبدو الوريث البارد حين يشتعل. أنت تحترق الآن، يا سلطان الرشيدي. أشعر به. تحت الغضب. تحت أمر والدك «اكسره». شيءٌ آخر. أليس كذلك؟
الصمت. الريح تدخل. رائحة اللحم البعيدة. صوت العود يعود خافتاً من الفناء. سلطان الرشيدي Tightened قبضته على الياقة. أراد أن يدفعه. أراد أن يسحبه أقرب. الرغبة المحرقة—تلك التي بدأتْ في كافد تحت ضوء الغروب—اشتعلتْ الآن كجمرٍ تحت الرماد. عدوّه. شريكه. الشيء الذي يجب أن يدمّره. الشيء الذي يريد أن يمتلكه أولاً. نبضهما يسمع في الظلام. الحنجرتان قريبتان. الحرارة تنتقل من جسدٍ إلى جسد عبر طبقات القماش.
ثم عادت الأضواء.
فجأة. الفوانيس النحاسية اشتعلتْ من جديد بضوءٍ كهرمانيٍّ باهت، والمصابيح الخافتة في السقف الطيني أضاءتْ. الممر ظهر فجأةً: جدرانٌ منحوتة، أرضيةٌ حجرية، بابٌ خشبيٌّ قديم. وهما يقفان في منتصفه. قريبان جداً. يد سلطان الرشيدي لا تزال على ياقة نايف العتيبي. وجه نايف العتيبي على بعد سنتيمترات. عيونهما متلاقيتان—القهوة المرة والذهب البني. النبض ظاهرٌ في حنجرة كلٍّ منهما، يضرب تحت الجلد الأسمر والفاتح. الشفاه مغلقة. التنفس متقطع. البشتان متشابكان قليلاً من الاحتكاك.
سعالٌ خفيف. منضبط. من نهاية الممر.
الخادم السلطاني—رجلٌ كبيرٌ يرتدي ثوباً نظيفاً—يقف هناك، ينظر إليهما بنظرةٍ محايدةٍ تماماً، لكنّها تحمل معنىً واضحاً: كل بابٍ له عيون. حتى هنا. في الظلام الذي انتهى.
سلطان الرشيدي أرخى يده ببطء. نايف العتيبي ابتسم تلك الابتسامة المائلة الصغيرة، ورتّب ياقته كأنّ شيئاً لم يكن. لكن عينيه قالتا كل شيء: الليلة كلّفتنا. والثمن لم يُدفع بعد.
—المجلس ينتظركما —قال الخادم بصوتٍ هادئ—. الوزراء يسألون عنكما.
استدارا. مشيا عائدين نحو الضوء والضحكات المدروسة ورائحة اللبان واللحم. الكتفان تكادان تتلامسان في الممر الضيق. خلفهما، الظلام الذي كان يختبئ في الزوايا بدا وكأنّه يبتسم. أمامهما، العائلات تنتظر أيّ شرخ. والرغبة—تلك النار التي لا اسم لها بعد—كانت قد خرجتْ من القمقم، ولن تعود.
في الساحة، الفوانيس تتمايل. الريح تحمل رائحة الصحراء. وسلطان الرشيدي، وهو يعود إلى مجلسه بجانب نايف العتيبي، شعر بأنّ كلمة والده «اكسره» صارت أثقل. لأنّه لم يعد يعرف أيّهما يريد أن يكسره أولاً: الإمبراطورية... أم الرجل الذي يجلس إلى جواره، والذي لا يزال نبضه يطرق في أذن سلطان الرشيدي كطبل حربٍ بعيد.