كانت الشمس تغرق خلف أفق الرياض في لهيبٍ برتقاليٍّ متأخر، تاركةً سماء كافد موشّحةً بظلالٍ بنفسجيةٍ ثقيلة. من الطابق السابع والأربعين في برج الزجاج الذي لم يكتمل بعدُ واجهتُه الشمالية، امتدتْ نوافذٌ من الأرض إلى السقف تكشف عن هيكلٍ عظميٍّ من الرافعات الحديدية والخرسانة العارية. كانت الرافعات تومض بأضوائها الحمراء البعيدة كعيونٍ حذرةٍ في الظلام الآتي، بينما الهواء داخل قاعة الاجتماعات المغلقة دار دوراتٍ باردةٍ مُعاد تدويرها، محمّلاً برائحة العود الثقيل المختلط برائحة حبر الطابعات الليزرية ورائحة المعدن المصقول. طقطقةٌ خفيفةٌ متكررة: أزرار كمٍّ ذهبيةٌ تلامس شاشات الآيباد كلما تحرك صاحبها.
سلطان الرشيدي جلس في الطرف الأيمن من الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الورد الأسود، ظهره مستقيماً كعمودٍ رخاميٍّ، كفاه مضمومتين على ركبتيه دون أن يلمس الزجاج البارد أمامه. بدلةٌ رماديةٌ فاحمةٌ تفصّلتْ على جسده الطويل بدقةٍ جراحية، والياقة البيضاء تلامس عنقه كأنّها طوقٌ ذهبيّ. عيناه—لونهما لون القهوة المرة—لم تفارقا حنجرة نايف العتيبي الجالس على الطرف المقابل. كان يرى النبض هناك، تحت الجلد الأسمر الناعم، ويرى كيف يتحرك تفاحة آدم كلما ابتلع نايف ريقه أو تحدث. صوت سلطان حين تكلّم كان مقصوصاً، مهذباً إلى حدّ الإذلال، كأنّه يقرأ من وثيقةٍ قديمة في مجلسٍ ملكي:
—الوزارة تكرّمنا بثقتها. مجموعة الرشيدي مستعدةٌ لتنفيذ كل بندٍ في الاتفاق المشترك، بما يخدم رؤية ألفين وثلاثين.
الوزراء الثلاثة الجالسون في الوسط أومأوا برؤوسهم. المستشارون الأجانب من شركة الرؤية الدولية دوّنوا ملاحظاتٍ سريعة. رائحة العود ازدادت كثافةً حين تحرّك مكيفٌ خفيّ، واختلطتْ برائحة الحبر الطازج من الأوراق التي وُزّعت للتو.
نايف العتيبي لم يجلس كسلطان. استرخى على الكرسي الجلدي الأسود كأنّه في صالون منزله، ساقٌ فوق ساق، أصابعُه الطويلة تدور ببطءٍ حول حافة كأس الماء الكريستالي. بدلةٌ كحليةٌ مفتوحة الزرّ الأول، وربطة عنقٍ فضفاضة قليلاً، وابتسامةٌ هادئةٌ لا تصل إلى عينيه. كلما وافق على جملةٍ، كان صوته يقطر عسلاً مسموماً:
—مجموعة العتيبي، بالطبع، ترحّب بالشراكة. سنضمن أنّ حصة الرشيدي... تُدار بأعلى معايير الشفافية.
كلمة «تُدار» خرجتْ ببطء، وكأنّه يمضغها. أصابعه استمرتْ تدور على الحافة، مبلّلةً بقطرة ماءٍ باردة، ثم رفعها إلى فمه ولحسها دون أن ينظر إلى أحد. سلطان رأى الحركة، ورأى كيف تلمع الحلقة الذهبية على إصبع نايف الأوسط تحت إضاءة الليد الباردة. شيءٌ ما في تلك الحركة—البطء المتعمّد، الوقاحة المغلّفة بالأدب—جعل عضلات فكّ سلطان تتقلص. كان يعرف أنّ نايف يتعمّد. يعرف أنّ العتيبيين هم من دفعوا خلف الكواليس لجعل هذه الشراكة إجبارية، بعد أن فشلت محاولاتهم السابقة في الاستحواذ على قطعة الأرض الذكية داخل كافد. والآن يُجبر الرشيديون على الجلوس معهم تحت ختم الوزارة، كأنّهم شركاء لا أعداء.
أحد الوزراء—رجلٌ في الستين يرتدي شماغاً أحمرَ فاخراً—ابتسم ابتسامةً رسمية:
—اليوم نعلن للصحافة أنّ تحالف الرشيدي-العتيبي سيطوّر المنطقة الذكية رقم سبعة. مشروعٌ يمثّل روح الرؤية. نريد صوراً... مصافحةً... ابتسامةً واحدةً على الأقل.
الضحك الخفيف الذي تبع كلامه كان مهذباً، لكنه قطع الهواء البارد كسكين. سلطان نهض أولاً. خطواته على السجادة الرمادية الثقيلة لم تصدر صوتاً. امتدتْ يده اليمنى عبر الطاولة. نايف تأخر ثانيةً كاملة—ثانيةٌ محسوبة—ثم نهض ببطء، كمن يستيقظ من قيلولةٍ ممتعة. يده لامستْ يد سلطان. الجلد ضد الجلد. حرارةٌ مفاجئةٌ تحت برودة التكييف. سلطان شعر بندبةٍ صغيرةٍ قديمةٍ على راحة نايف—ربما من حادث خيلٍ أو شجارٍ قديم—وشعر كيف ضغط نايف قليلاً أكثر مما ينبغي، كأنّه يختبر العظم. عيونهما التقتا فوق المصافحة. عينا سلطان سوداوان ثابتتان، وعينا نايف بنيتان ذهبيتان تلمعان بسخريةٍ هادئة. المصوّر الوزاري التقط الصورة. الفلاش انفجر أبيضَ قاسياً، فانعكستْ صورةُ الرجلين على الزجاج الخلفي: هيكلان طويلان، أحدهما منتصبٌ كرمح، والآخر مائلٌ قليلاً كمن يهمس سراً قذراً.
—ممتاز —قال الوزير—. الآن التفاصيل التقنية.
جلس الجميع. المستشارون فتحوا ملفاتهم. شاشةٌ عملاقةٌ نزلتْ من السقف بصمتٍ هيدروليكي. العرض بدأ: خرائط ثلاثية الأبعاد للمنطقة، أبراجٌ زجاجيةٌ ذكية، أنظمة طاقةٍ شمسية، بياناتٌ عن الكثافة السكانية المتوقعة. سلطان استمع بصوتٍ داخليٍّ يصرخ. كل رقمٍ يُذكر كان خسارةً محتملة. حصة الرشيدي أربعون في المئة فقط، والعتيبيون سيسيطرون على التشغيل اليومي. هذا ليس شراكة؛ هذا احتلالٌ مقنّع. ونايف يجلس هناك، يرسم دوائر مائية على الطاولة بأصبعه، وكأنّه يخطط بالفعل كيف يبتلع الحصة من الداخل. سلطان تذكّر صوت والده الليلة الماضية عبر الهاتف المشفر: «لن نسمح لهم أن يمسّوا إرثنا. اقبل، ثم اكسرهم». والآن ها هو يقبل، وعيناه لا تفارقان حنجرة نايف، يتخيّل كيف سيكون النبض تحت أصابعه لو ضغط.
نايف، من جهته، كان يستمتع. كل حركةٍ من سلطان—الانتصاب الصلب، الصوت المقطوع، النظرة التي تحرق الجلد—كانت وقوداً. كان يعرف أنّ الرشيديين يكرهون هذا الاتفاق أكثر مما يكرهون الهزيمة في مزاد. كان والده قد همس له قبل الدخول: «اجعلهم يبتسمون للكاميرات، ثم اجعلهم ينزفون في الغرف المغلقة». أصابع نايف توقفتْ عن الدوران. رفع كأس الماء، شرب رشفةً بطيئة، وترك قطرةً تتعلق بشفته السفلى قبل أن يمسحها بظهر يده. نظر إلى سلطان نظرةً جانبية، وقال بصوتٍ ناعمٍ يصل فقط إلى من يجلس قربهما:
—أتمنى أن تكون التفاصيل... مريحةً لطرفكم. نحن مستعدون لتحمّل أيّ... أعباء إضافية.
العبارة كانت مهذبة، لكن النبرة قالت: سأحملكم حتى تنهاروا. سلطان أجاب دون أن يحرّك رأسه:
—مجموعة الرشيدي لا تخشى الأعباء. نخشى فقط... سوء الإدارة.
كلمة «سوء» خرجتْ حادةً كشظية زجاج. أحد المستشارين الأجانب رفع حاجبيه، لكن الوزير ضحك ضحكةً قصيرةً ليخفف الجو.
ثم حدث الخطأ—أو ما بدا خطأ.
المستشار الشاب—فتىٌ نحيلٌ يرتدي نظاراتٍ سميكة، جاء من شركة الاستشارات الخارجية—كان يبدّل الشرائح. إصبعه ارتعش على لوحة المفاتيح. فجأةً، انطفأتْ خريطة المنطقة الذكية، وظهرتْ بدلاً منها شريحةٌ قديمة: مقارنةٌ جنباً إلى جنب بين عطاءات المجموعتين في مشاريع سابقة فاشلة. على اليسار: مجموعة الرشيدي—مشروع المارينا الشرقي، تأخيرٌ ثمانية عشر شهراً، تجاوز ميزانية بنسبة اثنين وثلاثين في المئة، شكاوى بيئية. على اليمين: مجموعة العتيبي—مشروع الأبراج السكنية في شمال الرياض، انسحاب شريكٍ أجنبي، دعوى قضائية لم تُحسم، اتهاماتٌ بتضارب مصالح. الجدول كان ملوّناً بالأحمر والأصفر، كبطاقة تقريرٍ مدرسيةٍ مخزية. صمتٌ ثقيلٌ ملأ القاعة لثانيةٍ واحدة. ثم ضحك أحد الوزراء—ضحكةٌ مهذبة، قصيرة، كمن يرى مزحةً غير مقصودة في حفل زفاف. تبعه مستشاران. الضحك لم يكن عالياً، لكنه كان كافياً. انتشر كالرائحة السيئة في الهواء المعطّر بالعود.
سلطان لم يضحك. شعر بحرارةٍ تصعد من صدره إلى أذنيه. الدم يدق في صدغيه. نظر إلى الشاشة، ثم إلى نايف. نايف كان يبتسم—ابتسامةٌ صغيرةٌ مائلة، كأنّه يرى فيلماً كوميدياً قديماً. لكن تحت الطاولة، أصابع نايف كانت محكومةً على ركبته حتى ابيضّت المفاصل. كلاهما فهم. هذه ليست مصادفةً بريئة. شخصٌ ما—ربما من داخل أحد البيتين، أو من الوزارة نفسها—أراد أن يذكّر الجميع أنّ الشراكة ليست بين منتصرين، بل بين مهزومين أُجبرا على الرقص معاً. الضحك المهذب استمر ثوانٍ إضافية، ثم سعل الوزير وقال:
—خطأٌ تقنيٌّ بسيط. احذفوا الشريحة فوراً. نعود إلى الموضوع.
المستشار الشاب ارتبك، وجهه أحمر كحبة طماطم، وحذف الملف بسرعة. الشاشة عادت إلى الخرائط اللامعة. لكن الضرر وقع. الغرفة عادت إلى البرودة، لكن الهواء الآن كان مشحوناً بشيءٍ أثقل من العود والحبر. سلطان شعر أنّ عينيه تحترقان. كان يريد أن يقوم، أن يمسك نايف من ياقة قميصه، أن يسأله إن كان هو من دبّر هذا الإذلال. لكنّه بقي جالساً، صوته حين تكلّم بعد ذلك أكثر برودةً وأكثر تهذيباً:
—نقترح أن نحدّد لجنةً مشتركةً للمراجعة الأسبوعية. الشفافية... مطلوبة.
نايف أجاب فوراً، صوته دافئٌ كالحرير فوق شفرة:
—موافقون تماماً. الشفافية تخدم الجميع. خاصةً حين تكون... مفروضة.
الاجتماع استمر ساعةً أخرى. تفاصيلٌ عن التمويل، عن نسب الأرباح، عن بنود الخروج. كل جملةٍ كانت حرباً صغيرة. سلطان يرفض بنداً، نايف يوافق ثم يضيف شرطاً يفرّغه من معناه. الوزراء يبتسمون ويضغطون على الأزرار. في النهاية، وُقّعت الوثائق تحت الختم الوزاري الأحمر. المصافحة الثانية كانت أقصر. الكاميرات التقطت الابتسامة المطلوبة: شفتان مشدودتان لكلٍّ منهما، أسنانٌ بيضاء، عيونٌ ميتة.
عندما انفضّ الاجتماع، خرج الوزراء أولاً، محاطين بمساعديهم. المستشارون تبعوهم وهم يتهامسون. القاعة فرغتْ تدريجياً. سلطان بقي واقفاً قرب النافذة، ينظر إلى الرافعات التي تومض حمراء في العتمة المتزايدة. مدينةٌ تُبنى، وإمبراطوريتان تُجبران على مشاركتها. شعر ببرودة الزجاج حتى من مسافة متر. ثم سمع خطواتٍ خلفه—خطواتٌ بطيئة، متعمدة.
نايف مرّ بجانبه في الممر الزجاجي الضيق المؤدي إلى المصاعد. لم يتوقف. فقط مال بجسده قليلاً حتى كادت كتفه تلامس كتف سلطان، وهمس بصوتٍ لا يسمعه إلا هما، رائحة عطره—عودٌ أخفّ، مختلطٌ بشيءٍ حمضيٍّ كالليمون—تغلغلتْ في أنف سلطان:
—الكاميرات في الخارج ستعشق ابتسامتنا الأولى معاً. تذكّر أن تبتسم أكثر في المرة القادمة... يا شريكي.
ثم مضى، معطفه الكحلي يتموج خلفه كظلٍّ طويل. سلطان لم يرد. بقي مكانه. في جيبه الداخلي، اهتز الهاتف المشفر مرةً واحدة. أخرجه. الشاشة أضاءتْ في الظلام النسبي: رسالةٌ واحدة من والده، كلمةٌ واحدة فقط، مكتوبةٌ بخطٍّ أسود حاد:
«اكسره».
سلطان أغلق الشاشة. رفع رأسه. في انعكاس الزجاج، رأى وجهه هو ووجه نايف العتيبي لا يزال عالقاً في ذاكرته—الابتسامة، الأصابع على الكأس، النبض في الحنجرة. الرغبة في التدمير كانت واضحةً كالجرح. لكن تحتها، أعمق، شيءٌ آخر بدأ يشتعل: حرارةٌ غريبة، مُحرقة، كمن ينظر إلى عدوّه ويدرك فجأةً أنّه يريد أن يمتلكه قبل أن يحطّمه. الرافعات البعيدة وميضتْ حمراء مرةً أخرى. الهواء البارد حمل رائحة العود والحبر والغضب. سلطان وضع الهاتف في جيبه، وأزرار الكمّ الذهبية طقطقتْ مرةً أخيرة ضد الشاشة السوداء، ثم استدار نحو المصعد، نحو الكاميرات التي تنتظر الابتسامة، ونحو الحرب التي بدأت للتو تحت ضوء الغروب الأخير فوق كافد.