كان بيت أمينة في حي قديم لا تدخله السيارات بسهولة، كأن الأزقة هناك مصممة لحماية الأسرار. فتحت له الباب قبل أن يطرق، وكأنها كانت تنتظر وقع خطواته. لم تسأله لماذا يحمل صندوقًا ينبض، بل قالت: «ادخل بسرعة. الدم الأزرق على يدك يلمع من آخر الشارع.»
في الداخل، بين رفوف كتب وخرائط صفراء للإسكندرية القديمة، وضعت أمينة إبريق شاي لم يشرب منه أحد. ثم أخرجت من درج خشبي دفترًا صغيرًا بخط والده.
قالت: «أبوك لم يكن تاجر خردة فقط. كان آخر حارس لسلسلة بدأت قبل مئة عام. تحت المدينة شبكة أنفاق قديمة، فيها حجر يسمونه قلب الرعد. ليس سلاحًا بطبيعته، بل ميزان. يمتص التوتر من الأرض؛ الزلازل، الضغط، الغضب الحراري. إذا أُجبر على التفريغ دفعة واحدة، يصنع انفجارًا لا يترك دليلًا.»
سخر ريان بمرارة: «جميل. إذن عائلتي لم تكن فقط مفلسة عاطفيًا، بل حارسة نهاية العالم أيضًا.»
ردت أمينة: «عائلتك كانت منقسمة دائمًا. الحراسة تورث لمن يسمع الرسائل لا لمن يرث الاسم. ندى وجدت الخطة، لكن القلب لم يستجب لها. استجاب لك لأنك كنت بعيدًا عن طمعهم.»
رن الهاتف مرة أخرى. لكن الشاشة لم تعرض رقم ندى هذه المرة، بل ملفًا قديمًا من أرشيف أبيه بعنوان: «اعتراف قبل الغرق». شغله ريان فسمع صوت والده، منهكًا ومليئًا بما يشبه الندم.
«ريان، إن وصلت إلى هذا التسجيل، فأنا آسف. لم أطردك من البيت لأنني كرهتك. فعلت ذلك لأبعدك عن مراد وعن القلب. أخطأت حين ظننت أن القسوة تحمي. ندى أقرب إلى الخطر الآن لأنها حاولت إصلاح ما لم أجرؤ عليه. ابحث عنها في محطة التحلية المهجورة، لكن لا تأخذ القلب إلى هناك إلا إذا قبلت أن تدفع ثمن فتحه.»
أغلق ريان عينيه. كل سنوات الغضب لم تختف، لكنها فقدت شكلها القديم. لم يعد الأب وحشًا كاملًا، ولا بريئًا. وهذا أصعب.
قالت أمينة: «محطة التحلية قرب الميناء. إن كان مراد هناك، فهو ينتظر تشغيل القلب عند منتصف الليل. بعد ذلك ستصل سفينة الشراء، وسيخرج الجهاز من البلد أو يدمر نصف الساحل.»
سأل ريان: «وما ثمن فتحه؟»
نظرت أمينة إلى العلامة على كفه. «القلب لا يعمل بالكهرباء وحدها. يحتاج ذاكرة بشرية قوية. يأخذ منك ذكرى لا تستطيع اختيارها. قد يأخذ وجه أمك، أو صوت أختك، أو سبب غضبك كله. القوة القديمة لا تعطي مجانًا.»
ضحك ريان ضحكة قصيرة خاوية. «أنا أصلًا لا أملك الكثير.»
هزت أمينة رأسها: «الناس الذين يقولون هذا، يخسرون أكثر مما يتوقعون.»
قبل أن يجيب، انفجرت نافذة الصالون إلى الداخل. دخلت قنبلة دخان صغيرة، ثم سمعت خطوات على السلم. رجال مراد وصلوا.
أمسكت أمينة ببندقية صيد قديمة من تحت الطاولة وقالت: «خذ الدفتر والصندوق. السطح يؤدي إلى بيت جارنا. سأمنحك خمس دقائق.»
صاح ريان: «لن أتركك!»
قالت بحدة: «هذه ليست بطولة، هذه وراثة. اذهب وأنقذ الوريثة الأخرى.»
ركض إلى السطح، وخلفه دوى أول إطلاق نار. وفي اللحظة التي قفز فيها إلى السطح المجاور، وصله بريد صوتي جديد من ندى، لم يتجاوز ثلاث كلمات:
«لا تصدق موتي.»