لم يكن ريان السمهودي يحب رائحة المعدن المحروق، ولا صوت الشاحنات وهي تفرغ بطونها من هواتف مكسورة وشاشات ميتة في ساحة شركة أبيه. كان يكره المكان كله: لافتة «السمهودي لإعادة التدوير الذكي»، المكتب الزجاجي الذي يطل على أكوام النحاس، وصورة الجد المؤسس وهو يبتسم كأنه يعرف سرًا لم يخبر به أحدًا.
عاد ريان إلى الإسكندرية بعد سبع سنوات من الغياب، لا حاملًا شهادة كما وعد، ولا ثروة كما كذب في مكالماته النادرة، بل حقيبة واحدة ودينًا يطارده على هاتفه. مات والده، وترك له نصف الشركة، والنصف الآخر لأخته الصغرى ندى، التي اختفت قبل الجنازة بثلاثة أيام.
في قاعة الاجتماع جلس العم مراد ببدلته الرمادية، يضغط مسبحته كأنه يخنقها. قال للمحامي: «ندى غير موجودة، والولد لا يفهم في العمل. البيع هو الحل.»
ردت أمينة، مديرة الحسابات العجوز، بصوت جاف: «الوصية تمنع البيع قبل مرور أربعين يومًا، إلا بتوقيع الوريثين.»
ضحك مراد دون فرح: «ومن أين نأتي بتوقيع شبح؟»
تلقى ريان في تلك اللحظة إشعارًا من رقم ندى. تجمدت أصابعه. الرسالة لم تكن نصًا، بل بريدًا صوتيًا قصيرًا. فتحه وهو يشعر بأن الهواء في الغرفة صار أثقل.
صوت ندى خرج متقطعًا، كأنها تتكلم من بئر: «ريان... إذا سمعت هذا، لا تثق بالعم مراد. بابا لم يمت طبيعيًا. في الحاوية الزرقاء شيء اسمه قلب الرعد. لا تفتحه أمام أحد. والمدينة... المدينة ستنفجر من الداخل.»
انقطع التسجيل بصوت صفير حاد، ثم همسة رجل لا يعرفه: «الوريث الثاني وصل.»
رفع ريان عينيه، فوجد مراد ينظر إلى هاتفه لا إلى وجهه. ابتسامته كانت صغيرة، لكن فيها كل الخطر.
في المساء، نزل ريان إلى الساحة. كان المطر خفيفًا، والعمال غادروا إلا حارسًا نائمًا قرب البوابة. وجد الحاوية الزرقاء خلف مخزن البطاريات، مقفلة بقفلين وسلسلة جديدة. لم يكن يملك مفتاحًا، لكنه كان يملك غضبًا قديمًا تجاه كل ما ورثه.
كسر القفل بعتلة، فانفتحت الحاوية على ظلام بارد. في الداخل لم يجد خردة، بل صندوقًا أسود بحجم صدر إنسان، فوقه خطوط فضية تتحرك كأنها عروق حية. وحين لمسه، سمع صوت ندى من داخله، لا من الهاتف:
«تأخرت يا ريان.»