لم تكن ليان النجار تتوقع أن تعود إلى مدينة الميناء الرمادية بعد سبع سنوات من القطيعة، ولا أن يكون سبب عودتها انفجارًا هزّ مخازن عائلتها عند الفجر، وحوّل الملح الأبيض إلى غبار يتساقط على الشوارع كثلجٍ مالح.
كانت شركة «النجار للملح والمعادن» أقدم من بعض أحياء المدينة. بناها جدها فوق أحواض بحرية واسعة، ثم ورثها أبوها سليمان، رجلٌ يبتسم أمام الكاميرات ويغلق الأبواب على أسراره. في طفولتها، كانت ليان تؤمن أن الملح يحفظ الطعام والذكريات والبيوت. لكن في الليلة التي طُردت فيها من المنزل بعد اتهامها بسرقة وثائق الشركة، أدركت أن الملح يحفظ الجروح أيضًا.
عند بوابة المصنع، استقبلها عمها نادر بوجه متعب وبدلة لم تغادرها رائحة الدخان.
قال ببرود: «تأخرتِ. أبوك في العناية. وأختك ميرا… لا أثر لها.»
تجمدت ليان. ميرا، أختها الصغرى، كانت الوحيدة التي تواصلت معها سرًا طوال سنوات المنفى، برسائل قصيرة وأغانٍ قديمة، لكنها انقطعت منذ شهر.
سألت ليان: «ماذا تقصد لا أثر لها؟»
أجاب نادر وهو ينظر إلى الحوض المحترق: «كانت داخل المخزن قبل الانفجار بدقائق. لم نجد جثة. لم نجد شيئًا. الشرطة تقول إنها ربما هربت قبل الحادث. أو أنها وراءه.»
ضحكت ليان ضحكة جافة. «ميرا لا تشعل عود ثقاب دون أن تعتذر للهواء.»
داخل البيت الكبير، اجتمعت العائلة حول طاولة طويلة: نادر، وابنه سيف مدير الأمن، وخالتها رقية المحامية التي تعرف كيف تحول الكذب إلى نص قانوني. جميعهم نظروا إلى ليان كأنها عاصفة دخلت من الباب.
قالت رقية: «وجودك هنا مؤقت. الشركة في أزمة، والأسهم تهوي. نحن لا نحتاج فضائح قديمة.»
قبل أن ترد ليان، اهتز هاتفها. رقم مجهول. رسالة صوتية.
ترددت قبل تشغيلها، ثم جاء صوت ميرا متقطعًا، كأنها تسجل من مكان تحت الماء:
«ليان… إذا سمعتِ هذه الرسالة، لا تثقي بأحد من البيت. الانفجار لم يكن النهاية. كان إشارة. ابحثي في غرفة التجفيف القديمة… المفتاح ليس معدنًا، المفتاح ذكرى. وإن قالوا لكِ إنني خائنة، تذكري: الملح لا يكذب، لكنه يدفن الحقيقة.»
انتهت الرسالة. نظرت ليان إلى الوجوه حول الطاولة. لم يكن أحد يعرف أن ميرا أرسلتها. لكن سيف كان يراقب الهاتف بعينين ضيقتين، كأنه سمع الصمت أكثر مما سمعته هي.
وفي تلك اللحظة، انطفأت كل مصابيح البيت، وارتفع من بعيد صوت صفارات الميناء، ثم ظهرت على الجدار المقابل، بفعل جهاز عرض مخفي، جملة واحدة مكتوبة بضوء أزرق:
«الدفتر عاد إلى البحر.»