نزلت ليان وآدم عبر سلالم الطوارئ بينما رجال بملابس سوداء يقتحمون الاستوديو من الباب الرئيسي. لم يكونوا رجال شرطة، لكنهم استخدموا أوامرها اللاسلكية. في الشارع، اختبآ داخل شاحنة خبز، وانطلقت بهما السائقة العجوز قبل أن يسألاها من تكون.
قالت العجوز وهي تقود بعينين ثابتتين: «اسمك ليان، ووالدك أصلح لي ساعة زوجي قبل ثلاثين سنة ولم يأخذ أجرًا. أحيانًا الدين ينتظر الوقت المناسب.»
كانت تُدعى أمينة، وكانت واحدة من «الحراس» الذين ذكرهم منصور في رسائله: شبكة صغيرة من أصحاب مهن عادية، يعرفون ممرات المدينة وعيوبها، شكّلها منصور بعدما اكتشف أن شركة «أفق الحماية» تستخدم عقود الطوارئ لزرع أجهزة تحكم داخل البنية التحتية. شركة يملك سالم أسهمًا سرية فيها.
لكن الحقيقة لم تكن بهذه البساطة.
أخذتهم أمينة إلى مخزن قديم تحت سوق السمك، حيث اجتمع ثلاثة أشخاص: ممرضة، عامل اتصالات، وبائع صحف أعمى يسمع خطوات الناس فيعرف خوفهم. على الطاولة وُضعت خريطة للمدينة وعليها دوائر حمراء حول المستشفيات والجسور ومحطة الافتتاح الجديدة: برج الميناء الزجاجي، حيث سيُعلن المحافظ عند منتصف الليل تشغيل شبكة الإنذار الموحدة.
قال عامل الاتصالات: «لو ضغطوا زر التشغيل، سترسل الشبكة نبضة اختبار. الأجهزة المزروعة ستحول النبضة إلى أوامر تعطيل. بعدها ستحدث انفجارات صغيرة في نقاط محددة: مولد هنا، أنبوب غاز هناك، مصعد طوارئ في مستشفى. ليست قنبلة واحدة. إنها مدينة تُخنق من داخلها.»
سألت ليان: «وما علاقة ورشتنا؟»
أجاب البائع الأعمى: «آل الراوي صنعوا الساعات الميكانيكية التي استخدمت كنماذج لأول نظام توقيت في الميناء. منصور كان الوحيد القادر على قراءة الخلل في تتابع النبضات. لذلك احتاجوا صمته.»
انفتح الباب فجأة.
دخل سالم وحده، رافعًا يديه.
اندفع آدم نحوه، لكن ليان منعته. كان وجه خالها شاحبًا بلا أناقة، وربطة عنقه ممزقة.
قال سالم: «لم أقتل أباك.»
ضحكت ليان بمرارة. «لكنّك أحرقت بيته.»
«أحرقت غرفة التخزين لأفتح الباب قبلهم. كنت أظن أن الحقيبة ستقودني إلى مكان يونس.»
«كنت تعرف أنه حي؟»
سكت سالم لحظة، ثم قال: «يونس لم يهرب. اختطفوه لأنه صوّر اجتماعًا بيني وبين مديرة أفق الحماية، نادين صقر. نعم، كنت شريكًا. ظننتها عقود حماية، عمولات، فساد عادي... ثم فهمت أن المشروع أكبر. حين حاولت الانسحاب، أخذوا يونس. هددوني بكما. مات منصور لأنه رفض تسليم مفتاح الإبطال.»
ليان لم تعرف هل تريد صفعه أم تصديقه. لكن آدم شغّل آخر ملف في القرص، فخرج صوت منصور:
«سالم ضعيف، لا شرير. إن عاد قبل منتصف الليل، استخدموا خوفه ضد من صنعوه.»
انهار سالم على كرسي. «مفتاح الإبطال ليس رمزًا رقميًا. إنه ساعة. ساعة جيب قديمة بلا عقارب، صنعتها جدتك. نادين تبحث عنها. إذا ركّبناها في قلب برج الميناء، ستشوّش نبضة التشغيل وتكشف الأجهزة المزروعة كلها.»
قالت ليان: «يونس قال: الساعة التي لا ظل لها.»
رفعت أمينة حاجبها. «أين هي؟»
تذكرت ليان فجأة صندوق والدها الخشبي، ذلك الذي لم تستطع فتحه منذ الجنازة. لم يكن في الورشة. كان في بيت العائلة، حيث تنتظرهم بلا شك عيون نادين ورجالها.
رن هاتف سالم. ظهرت صورة يونس مقيدًا على كرسي، والماء يرتفع حول قدميه.
صوت نادين جاء هادئًا كإعلان مصرفي:
«أمامكم سبعون دقيقة. أحضروا الساعة إلى البرج، أو يصبح أخوك أول ضحية في تجربة الإنقاذ.»