هربت ليان من الباب الخلفي كما كانت تفعل في طفولتها حين تسرق مفاتيح الساعات لتغيظ والدها. ركضت بين الأزقة، والحقيبة تحت معطفها، بينما صافرات بعيدة تقترب ببطء غريب؛ ببطء مقصود.
لم تذهب إلى الشرطة. لم تعد تعرف من يملكها. ذهبت إلى المكان الوحيد الذي لا يسأل كثيرًا: استوديو تسجيل قديم فوق سينما مهجورة، يملكه صديقها السابق آدم ناصر، مهندس صوت كان يسمع الأكاذيب في النبرة كما يسمع الموسيقي النشاز في العود.
فتح آدم الباب وهو يحمل كوب شاي، فلما رآها مغطاة بالسخام، سقط الكوب من يده.
«من فعل هذا؟»
وضعت القرص أمامه. «أبي. أو من قتل أبي.»
اشتغل آدم على القرص ساعتين. كانت الملفات داخله رسائل صوتية قصيرة مؤرخة على مدى أشهر، كلها بصوت منصور، لكنها لم تكن موجهة إلى ليان وحدها. كانت موجهة إلى أسماء غامضة: «الحارس»، «صانع المطر»، «ابنة الميناء»، و«الولد العائد».
في الرسالة الثالثة ظهر اسم يونس.
«يونس اكتشف أن شحنات معدات الطوارئ ليست معدات. داخل كل جهاز توقيت طبي قطعة استقبال صغيرة. إذا اجتمعت الإشارات في برج الميناء ليلة الافتتاح، ستنطفئ نصف المدينة قبل أن يشتعل النصف الآخر. من يبيعون الخوف يسمونها تجربة ضغط. لا تسألوا من يدفع. اسألوا من سيرث بعد الفوضى.»
رفعت ليان رأسها. «أجهزة توقيت طبية؟»
قال آدم: «مؤقتات لسيارات الإسعاف، مولدات المستشفيات، شبكات الإنذار... لو عبث أحد بها، يمكنه صنع كارثة تبدو كخلل تقني.»
ظهرت رسالة جديدة لم تكن موجودة قبل دقائق. كأن القرص يتلقى تحديثًا.
صوت يونس.
ضعيف، متقطع، لكنه حي.
«ليان... إذا وصلتك رسائل أبي، فهذا يعني أن سالم بدأ العدّ. لا تبحثي عني في البحر. ابحثي عن الساعة التي لا ظل لها. ولا تأتي وحدك. في العائلة خائن، وفي الخائن خوف أكبر من الطمع.»
شعرت ليان أن الأرض مالت. سالم؟ خالها الذي ربّاها بعد موت أمها؟ الرجل الذي دفع رسوم جامعتها؟
لم يمنحها آدم وقتًا للانهيار. أشار إلى موجة صوتية على الشاشة.
«هناك صوت خلفي في رسالة يونس. ماء كثير... ونداء قطار... وجرس كنيسة مكسور. هذا ليس البحر. هذا خزان الصيانة تحت محطة المدينة القديمة.»
دق هاتف ليان. رقم سالم.
لم تجب.
وصلت رسالة نصية: «أعرف أين أنتِ. آدم لا ذنب له. أعطيني القرص قبل منتصف الليل.»
ثم أُرفقت صورة: آدم قبل ساعة وهو يدخل السينما، مصوّرًا من زاوية الشارع.
وقبل أن يرفعا أعينهما إلى النافذة، اخترقت رصاصة الزجاج واستقرت في جهاز التسجيل، فسكت صوت منصور للمرة الأولى.