لم تكن ليان الراوي تؤمن بالمصادفات، لكنها في تلك الليلة تعلّمت أن بعض الصدف تأتي برائحة البارود.
كانت ورشة عائلتها، «بيت الراوي للساعات»، قائمة في آخر زقاق من أزقة الميناء القديم؛ محل ضيق من الخارج، عميق من الداخل، تملؤه ساعات جدارية لا تتوقف عن الدقّ، كأنها قلوب معلّقة على الجدران. ورث جدّها الحرفة عن أبيه، ثم ورثها والدها منصور، وتركها لها ولأخيها الأصغر يونس الذي اختفى منذ عامين في ظروف لم يصدقها أحد: قيل إنه هرب بدين ثقيل، وقيل إنه مات في البحر، وقيل إن العائلة اختلقت اختفاءه لتنجو من فضيحة.
ليان وحدها لم تصدق شيئًا من ذلك.
في العاشرة وسبع دقائق مساءً، كانت تغلق الخزانة الحديدية حين وصلها إشعار صوتي قديم على هاتف الورشة الأرضي المتصل بجهاز تسجيل رقمي. رقم غير معروف. ضغطت التشغيل، فخرج صوت والدها المتوفى منذ ستة أشهر، متعبًا لكنه واضح:
«إذا سمعتِ هذه الرسالة يا ليان، فلا تثقي بمن يطلب منك إصلاح ساعة بلا عقارب. يونس حي. والمدينة كلها مضبوطة على انفجار واحد.»
تجمّدت أصابعها فوق الجهاز.
لم يكن ممكنًا. منصور مات بنوبة قلبية أمامها، ولم يترك وصية سوى صندوق خشبي مغلق. وقبل أن تعيد تشغيل الرسالة، اهتزت الورشة من تحت قدميها. دوّى انفجار صغير في غرفة التخزين الخلفية، لا يكفي لهدم المكان، لكنه يكفي لإشعال الورق والقماش والزيوت القديمة.
اندفعت ليان وسط الدخان. حاولت إطفاء النار ببطانية مبللة، وهي تسمع زجاج الساعات يتكسر كأن الزمن نفسه ينهار. وبين الركام، لمحت شيئًا لم تره من قبل: بابًا معدنيًا صغيرًا خلف رف الساعات المعلقة، وقد فتحه الانفجار نصف فتحة.
في تلك اللحظة دخل خالها سالم مهرولًا، رجل أعمال أنيق يكره الغبار ويحب أن يسمي الورشة «عبئًا عاطفيًا». صاح:
«اتركي المكان! التأمين سيعوّضنا. انتهت القصة.»
لكن ليان رأت في عينيه شيئًا لم يكن خوفًا عليها. كان خوفًا من الباب.
دفعت الرف المحترق بكتفها، وسحبت من خلف الباب حقيبة جلدية صغيرة. حاول سالم أخذها منها، فشدتها بقوة، فانقطعت يد الحقيبة، وسقط منها قرص ذاكرة أسود، وصورة قديمة ليونس واقفًا قرب شاحنة إسعاف تحمل شعارًا لم تعد تراه في المدينة: «النبض الحر».
قبل أن تسأله، انطفأت الأنوار في الزقاق كله.
ومن العتمة جاء صوت امرأة عبر مكبرات الشرطة التي لم تصل بعد:
«ليان الراوي، سلّمي الحقيبة إن أردتِ أن تسمعي صوت أخيك مرة أخرى.»