هربوا عبر نفق ضيق يفتح على الشاطئ. كان حازم يعرفه منذ أيام التهريب القديمة، لكن عمره ووزنه جعلا خطواته بطيئة. في الخلف كان رجال مراد يكسرون الأقفال ويصيحون. حمل سامر الصندوق، بينما جذبت نادين حازم من ذراعه.
قالت وهي تركض: «مراد ربّانا بعد موت أبي. لماذا يخوننا؟»
رد حازم لاهثًا: «لأنه لم يربِّكم مجانًا. كان ينتظر يوم يبيع فيه السر لمن يدفع.»
عند مخرج النفق، وجدوا سيارة يارا الصغيرة تنتظر. كانت الفتاة قد تبعتهم بعد أن تركت في يد سامر سوارًا به جهاز تتبع. ابتسمت رغم الخوف: «قلت يمكن تحتاجوا واحدة لا تكذب كثيرًا.»
لكن الشاطئ لم يكن آمنًا. ظهرت ثلاث دراجات نارية، وبدأ مطاردة عبر الطريق الساحلي. كانت نادين تقود لأول مرة منذ سنوات في شوارع طفولتها، تتفادى عربات السمك والحفر، بينما يارا تحاول من المقعد الخلفي فتح الرسالة الثالثة.
طلب الهاتف كلمة: «أول كذبة قلتِها لنفسك.»
صرخت يارا: «ما معنى هذا؟»
عرفت نادين فورًا. قالت وهي تضغط على المقود: «أنني لا أحتاج أحدًا.»
انفتحت الرسالة. صوت ليلى قال: «نادين، قوتك ليست في الهروب. أنتِ تسمعين ما بين الأصوات؛ لذلك تركت لكِ الرسائل. العقد وحده لا يكفي. يجب إعادة حجر النفس إلى الفرن الثالث قبل اكتمال المدّ الأحمر. لا تثقي بمراد، لكنه ليس الرأس. الرأس يحمل ختم الميناء القديم.»
في المرآة رأت نادين إحدى الدراجات تقترب. فتح الرجل حقيبة وأخرج أسطوانة صغيرة. صاح حازم: «انبطحوا!»
ضربت الأسطوانة الأرض، فانفجرت بلا نار، لكن موجة ضغط حطمت زجاج السيارة الخلفي. انقلبت دراجة من أثر الصدمة، وكادت سيارة نادين ترتطم بالحاجز. أمسكت يارا بالصندوق قبل أن يطير.
وصلوا إلى مخزن مهجور كان يخص العائلة قديمًا. هناك كشف حازم الحقيقة الأكبر: والد نادين لم يمت في حادث عمل كما قيل، بل قُتل لأنه رفض بيع «حجر النفس»، وهو قلب زجاجي شفاف قادر على امتصاص الحرارة من باطن الأرض. ليلى خبأته، ثم سجلت الرسائل حين عرفت أن مراد يبحث عنه.
قال سامر بصوت مكسور: «وأنت عرفت كل هذا وتركتنا؟»
خفض حازم رأسه: «أمكم طلبت مني أحمي السر لا الأشخاص. وقد فشلت في الاثنين.»
فجأة أضاء هاتف نادين برسالة رابعة دون أن يطلب كلمة مرور. كان ذلك غريبًا. ضغطت التشغيل، فجاء صوت ليس صوت ليلى، بل صوت مراد:
«أحسنتم. فتحتم الطريق إلى المخزن القديم كما توقعت. الآن انظروا حولكم.»
ارتفعت أبواب الحديد، ودخل رجال مسلحون. في صدرهم شارات صغيرة عليها ختم الميناء القديم. وخلفهم ظهر رجل ببدلة بيضاء، أنيق أكثر مما ينبغي لمكان مليء بالغبار. عرّف نفسه بابتسامة باردة: «أنا فؤاد راسم، رئيس هيئة الميناء. وعائلتكم، يا نادين، أخّرت مشروعًا سيجعلني أملك طاقة المدينة كلها.»
كان مراد واقفًا خلفه، لا ينظر إلى سامر.