وصلت الشرطة بعد نصف ساعة، لكن نادين عرفت من نظرة الضابط أنها لن تحصل على إجابات. سجّلوا الحادث كتسرب غاز، رغم أن أنابيب الغاز كانت سليمة. والأغرب أن كاميرات الورشة كلها توقفت قبل الانفجار بدقيقة واحدة، باستثناء كاميرا قديمة في مكتب أمها لم تكن موصولة بالشبكة.
في تلك الليلة رفضت نادين الذهاب إلى الفندق. بقيت في المكتب المحترق جزئيًا، تقلب بين دفاتر ليلى ورسومها. كانت أمها فنانة زجاج، لكنها في الأوراق بدت كعالمة أو جاسوسة: خرائط للميناء، رموز على شكل دوائر، أسماء سفن، وملاحظات عن «توازن النار والملح».
قال سامر وهو يضع ضمادة على يده: «أنتِ خبيرة كمبيوتر. افتحي باقي الرسائل.»
اكتشفت نادين أن الهاتف يحتوي على سبع رسائل صوتية مؤجلة، كل واحدة مشفرة بتوقيت أو كلمة. الرسالة الأولى فُتحت بسبب الحرارة العالية بعد الانفجار. أما الثانية فطلبت كلمة مرور: «اسم الشيء الذي لا يحترق.»
ضحك سامر بسخرية: «كل شيء يحترق عندنا.»
لكن نادين تذكرت لعبة قديمة كانت أمها تلعبها معها. كانت ليلى تقول لها وهي ترفع قطعة زجاج حمراء من الفرن: «السر لا يحترق إذا صار شفافًا.» كتبت نادين: «الحقيقة». انفتحت الرسالة.
صوت ليلى عاد، أقرب هذه المرة: «إذا وصلتِ إلى الثانية، فهناك من فجّر المخزن ليمنعك من العقد. ابحثي عن رفيق أبيكِ القديم، اسمه حازم الحوت. لا تذهبي إليه وحدكِ. سامر يعرف الطريق، حتى لو ادعى أنه لا يعرف.»
حدقت نادين في أخيها. شحب وجهه.
قالت: «ماذا تخفي؟»
تردد سامر ثم انفجر: «كنت أعمل مع حازم منذ سنة. ليس كما تظنين. كان يساعدنا في بيع قطع خاصة لسداد الديون. قطع لا تسجل في الدفاتر.»
«تهريب؟»
«إنقاذ.»
صفعته الكلمة أكثر من يدها لو ضربته. في عينيه رأت خليطًا من الذنب والفخر. كان الصغير الذي تركته وحيدًا قد كبر في الظلام، وصار يعرف طرقًا لا تعرفها.
قادها سامر إلى قبو قديم تحت مقهى مهجور قرب البحر. هناك وجدوا حازم الحوت، رجلًا عريض الكتفين، له عين زجاجية بلون العسل. لم يبدُ متفاجئًا بوصولهما، بل قال: «كنت أراهن أن نادين ستعود فقط عندما تنفجر الدنيا.»
وضع أمامهما صندوقًا خشبيًا. داخله عقد من الزجاج الأسود، خفيف كأنه هواء، وفي قلبه خيط أزرق يتحرك مثل نبض.
قال حازم: «هذا ليس حليًا. عائلتكم منذ مئة عام تحرس زجاجًا مصنوعًا من رمل نادر يهدّئ ضغط البحر تحت المدينة. لو وقع كله في يد جماعة الملح الأسود، سيصنعون منه قنابل حرارية صامتة. انفجار المخزن كان تجربة صغيرة.»
سخرت نادين رغم الرعب: «هل تريدني أن أصدق أن ورشة أبي كانت تحمي الإسكندرية بقطع زجاج؟»
قبل أن يجيب، انطفأت أنوار القبو. سُمعت خطوات فوقهم. ثم جاء صوت مألوف من مكبر هاتف حازم: «سلّم العقد يا حوت. لا نريد أن نكسر الولدين.»
همس سامر: «هذا صوت العم مراد.»