لم تكن ورشة «المنسي للزجاج البحري» مجرد محل قديم في حارة ضيقة قرب الميناء؛ كانت مملكة صغيرة من نار ورمل وأسرار. كل صباح يفتح العم مراد الباب الحديدي قبل الفجر، فتستيقظ الأفران كوحوش برتقالية، ويصطف العمال حول الطاولات، بينما تتدلى من السقف قناديل زرقاء وخضراء تشبه عيون البحر.
عادت نادين المنسي إلى الإسكندرية بعد سبع سنوات من الغياب، لا لتحن إلى طفولتها، بل لتوقّع أوراق بيع الورشة. كانت ترتدي بدلة رمادية لا تناسب الغبار، وتحمل حقيبة جلدية لا تعرف رائحة الملح. في الداخل وقف أخوها الأصغر سامر أمام الفرن، يلف أنبوب النفخ بيد مرتجفة، كأنه يحاول أن يثبت لها أن العائلة لا تزال تعرف كيف تخلق الجمال من الخطر.
قال مراد، عمها ومدير الورشة منذ موت أبيها: «البيع خيانة، يا نادين. أبوكِ تركها أمانة.»
ردت ببرود: «أبي ترك ديونًا أيضًا. وأمي ماتت وهي تحاول إنقاذ اسم العائلة من عنادكم.»
ساد صمت قصير. لم يكن اسم ليلى، أمها، يُذكر كثيرًا. ماتت قبل عامين في حادث غامض قرب المخازن، وقيل يومها إن ماسًا كهربائيًا أشعل النار. نادين لم تحضر الجنازة إلا ساعة واحدة، ثم اختفت من جديد إلى دبي حيث عملت في شركة أمن رقمي. كانت تؤمن بالأرقام لأنها لا تبكي ولا تكذب.
قبل أن يشتعل الشجار أكثر، دخلت فتاة نحيلة تُدعى يارا، ابنة أحد العمال، وهي تلهث: «في رسالة وصلت على هاتف الست ليلى القديم.»
تجمدت نادين. هاتف أمها؟ لقد ظنت أنه دُفن معها أو احترق. أخرجت يارا جهازًا قديمًا بشاشته المشروخة، وقالت إنهم وجدوه خلف خزانة في مكتب الحسابات أثناء تنظيفه.
ظهر إشعار بريد صوتي مؤجل، مُرسل قبل عامين، لكنه لم يصل إلا الآن بسبب عطل في الشبكة الداخلية القديمة للورشة. ضغط سامر زر التشغيل، فانبعث صوت ليلى متقطعًا، هادئًا ومذعورًا في الوقت نفسه:
«نادين… إذا سمعتِ هذا، فلا تبيعي الورشة. الزجاج الذي نصنعه ليس للزينة فقط. هناك عقد مدفون تحت الفرن الثالث. لا تثقي بمن يعرف كلمة: الملح الأسود.»
انقطع الصوت، وفي اللحظة نفسها اهتزت الأرض. دوّى انفجار من ناحية المخزن الخلفي، واندفعت موجة حارة طرحت الجميع أرضًا. تحطمت القناديل المعلقة، وتناثر الزجاج كالمطر. حين فتحت نادين عينيها، كان الفرن الثالث مشتعلًا بلون غريب: أزرق داكن، كأن نارًا من قاع البحر صعدت إلى المكان.
ومن بين الدخان، رأت ظل رجل يقف عند الباب الخلفي. كان يضع قناعًا أسود، وفي يده حقيبة صغيرة. قبل أن يهرب، التفت نحوها وقال بصوت خافت: «تأخرتِ يا بنت ليلى.»