لم تنم ليان تلك الليلة. اختبأت في شقة صديقتها القديمة ندى، الصحفية التي فقدت عملها بعدما نشرت تحقيقًا عن اختفاء عمال من الميناء. عندما رأت ندى القفازين والكأس، لم تضحك كما توقعت ليان. بل أغلقت الستائر وقالت: "كنت ألاحق شركة المجرى الصافي منذ أشهر. ليست شركة. إنها واجهة. كل من يرفض بيع أرضه قرب الميناء يتعرض لحادث."
قالت ليان: "أحتاج دخول الخزان."
"هذا انتحار."
"آدم حي."
صمتت ندى. كانت تعرف أن اسم آدم كفيل بتحويل ليان من امرأة حذرة إلى عاصفة.
في منتصف الليل نزلتا إلى الساحة المهجورة. تحت تمثال بحار مكسور، وجدت ليان علامة صغيرة محفورة: كأس وعين. وضعت الكأس الباكي في التجويف الحجري. سالت منه قطرة شفافة، وحين لامست الأرض انفتح درج ضيق نحو الظلام.
في الأسفل، لم يكن الخزان مجرد قاعة ماء قديمة. كان مدينة تحت المدينة: ممرات حجرية، مصابيح زرقاء بلا أسلاك، وأقفاص زجاجية تحتوي على كتل رمادية تلمع كغبار النجوم. من بعيد جاء صوت هدير مكتوم، كأن بحرًا صغيرًا يتنفس في الجدران.
همست ندى: "سأسجل كل شيء. إن خرجنا، سينتهي أمرهم."
لكن صوتًا من الظلام أجاب: "لن تخرجا."
ظهر الرجل ذو المعطف الرمادي. كان طويلًا، نصف وجهه محترق، يحمل الكأس الأسود الذي سرقه من الورشة. خلفه وقف جابر، عم ليان، مكبل اليدين ووجهه مكدوم.
صرخت ليان: "أنت معهم؟"
قال جابر بصوت مبحوح: "كنت أحاول حمايتك. عرض البيع كان فخًا لهم. أردت إبعادك عن الورشة قبل أن يفتشوها."
ضحك الرجل الرمادي. "العائلة دائمًا تظن أن النية الطيبة تمحو الغباء."
عرف نفسه باسم سليم الرّقاش، قائد نقابة الظلال الجديد. قال إن رائف وعدهم بمخطوطات رماد القمر، ثم أخفاها داخل رسائل صوتية مشفرة، موزعة على شبكة قديمة لا تعمل إلا قرب زجاج صنعه بيده. أما آدم، فهو في قلب الخزان، يفتح لهم طبقات الرماد.
"أعيدي القفازين والكأس،" قال سليم، "وسأترك عمك وصديقتك يعيشان."
ارتدت ليان القفازين بدلًا من تسليمهما. شعرت بحرارة تجري في عروقها، لا تحرقها بل توقظ شيئًا قديمًا. رفعت يدها نحو مصباح زجاجي فوق رأس سليم. اهتز المصباح، رنّ رنينًا حادًا، ثم انفجر إلى غبار ناعم حجب الرؤية.
ركضت ليان وندى، وجابر خلفهما بعدما حررته ندى بسكين صغير. دخلوا ممرًا ضيقًا ينتهي بباب زجاجي سميك. خلف الباب، رأت ليان شابًا جالسًا على كرسي معدني، أسلاك فضية حول ذراعيه، وعيناه مغمضتان. رغم السنوات، عرفته من الندبة الصغيرة فوق حاجبه.
"آدم..."
فتح عينيه. لم يبتسم. قال بهدوء يخيف أكثر من الصراخ: "تأخرتِ يا أختي. لقد علّموني كيف أفتح الزجاج. وعلّموني أيضًا كيف أغلق القلوب."
ثم ضغط بكفه على الجدار، فانغلقت أبواب الممر كلها، وبدأ العدّ التنازلي يضيء بالأحمر فوق خزانات الرماد.