رفضت الشرطة الاستماع إليها. قال الضابط إن الانفجار سببه غاز قديم، وإن الرجل بالمعطف ربما كان لصًا استغل الفوضى. أما جابر فأصرّ على بيع ما تبقى من الورشة فورًا لشركة تدعى "المجرى الصافي"، عرضت مبلغًا كبيرًا رغم أن المكان صار ركامًا.
قالت ليان: "من يشتري ورشة محترقة في اليوم نفسه؟"
أجاب جابر بعصبية: "من يريد الأرض. نحن على الميناء، هل نسيتِ؟"
لكن ليان لم تنسَ صوت أبيها: لا تثقي بمن يطلب بيع الزجاج الأسود.
في الليل، تسللت إلى المخزن الخلفي الذي نجا من الانفجار. كانت تعرف كل قطعة صنعها أبوها، لكن عبارة "آخر كأس" حيّرتها. قبل موته بيوم، جلس رائف وحيدًا يصنع مجموعة كؤوس شفافة لزبون لم يأتِ. فتحت الصندوق فوجدت اثني عشر كأسًا، كلها متشابهة إلا واحدة فيها فقاعة هواء صغيرة تشبه عينًا مغلقة.
لم تكسرها. بل وضعتها أمام مصباح صغير. داخل الفقاعة لمع خيط نحاسي دقيق، كأنه كلمة ملفوفة. وحين لمسته، ارتج الزجاج وخرج من الهاتف صوت الرسالة الثانية دون أن تضغط شيئًا:
"أحسنتِ لأنك لم تكسريه. الغضب يكسر المفاتيح يا ليان. اسمعي جيدًا: آل النحّاس لم يكونوا مجرد صُنّاع زجاج. نحن نحرس مادة اسمها رماد القمر، إذا اختلطت بالنار صنعت زجاجًا يرى ما وراء الجدران، وإذا وقعت في يد النقابة صنعت قنابل بلا لهب. آدم لم يُخطف. أنا سلّمته لمن ظننتهم حلفاء كي أحميكِ. أخطأت. ابحثي عن امرأة اسمها ميرة السقّاف. ستنكر معرفتي، فاسأليها عن الكأس الذي يبكي."
تراجعت ليان حتى اصطدمت بالرف. رماد القمر؟ قنابل بلا لهب؟ كان عقلها يرفض، لكن جسدها تذكر: في طفولتها، كانت تسمع الزجاج يرنّ قبل أن ينكسر، وتشعر بحرارة الأفران قبل إشعالها. ظنتها حساسية غريبة، أو لعنة عائلية.
عند الفجر ذهبت إلى سوق العاديات في الحي القديم، حيث تباع الأشياء التي فقدت أصحابها. وجدت دكان ميرة السقّاف بين محل مفاتيح ومقهى مغلق. كانت امرأة في الستين، شعرها أبيض كالملح، وعيناها حادتان كإبرتين.
قالت ليان: "أبحث عن الكأس الذي يبكي."
انخفضت يد ميرة من فوق الميزان. "من أرسلك؟"
"رائف النحّاس."
صفعتها ميرة فجأة. لم تكن الصفعة مؤلمة بقدر ما كانت مهينة.
"هذا ثمن ذكر اسمه بصوت عالٍ." ثم فتحت بابًا خلفيًا. "ادخلي قبل أن يراكِ رجال النقابة."
في الداخل، كانت الجدران مغطاة بخرائط للميناء وأنفاقه القديمة. أشارت ميرة إلى دائرة حمراء تحت ساحة مهجورة. "المكان الذي لا يدخله الضوء هو خزان الماء العثماني. منذ سنوات تستخدمه نقابة الظلال مخزنًا. أبوك كان واحدًا منهم، ثم خانهم عندما عرف أنهم يحولون الرماد إلى سلاح."
ارتجفت ليان. "وأخي؟"
"كان الطفل الوحيد الذي يستطيع سماع نَفَس الزجاج. موهبة نادرة. النقابة ربّته ليصير مفتاحًا حيًا."
قبل أن تسأل أكثر، انغرس سهم صغير في الخشب قرب رأسها. تحطم الزجاج في واجهة الدكان، ودخل ثلاثة رجال بأقنعة داكنة. دفعت ميرة صندوقًا إلى ليان. "خذي هذا واهربي من السطح!"
داخل الصندوق كانت قفازين من جلد رقيق، وكأسًا صغيرًا يبدو كأنه مليء بدموع متجمدة. ركضت ليان فوق السلالم، وخلفها صوت ميرة تصرخ: "لا تصدقي كل رسائل أبيك! بعضها سُجل تحت التهديد!"