كانت ورشة آل النحّاس آخر مكان في ميناء السديم يظل مضاءً بعد منتصف الليل. لا لأنها مزدهرة، بل لأن الزجاج لا يرحم من يتركه نصف منصهر. كانت ليان تقف أمام الفرن الأزرق، تمسك أنبوب النفخ الطويل كمن يمسك رمحًا، بينما يتراقص داخل الكرة الملتهبة لون يشبه الغروب.
قال عمّها جابر وهو يراجع دفاتر الحسابات: "لو بعنا الورشة الآن سنخرج بأقل الخسائر. البحر تغيّر، والزبائن تغيّروا، ونحن بقينا نحرس فرنًا يأكل أعمارنا."
رفعت ليان عينيها. "هذه ليست ورشة فقط. هذه وصية أبي."
ضحك جابر ضحكة قصيرة بلا فرح. "أبوك اختفى قبل خمس سنوات ثم عاد قبل أسبوعين كأنه شبح، وبعدها مات في انفجار لم نفهمه. الوصايا لا تدفع الديون."
على الجدار المقابل عُلّقت صورة قديمة: الأب، رائف النحّاس، بوجهه الصارم ويديه المغطيتين بندوب الحرق، وبجواره طفل صغير يضحك وهو يحمل قطعة زجاج خضراء. كان الطفل هو آدم، شقيق ليان الأصغر، الذي اختفى في الليلة نفسها التي غاب فيها الأب أول مرة. لم يبقَ منه سوى ذلك الوجه في الصورة، وحكايات متقطعة لا يتفق أحد على نهايتها.
قبل أن ترد، اهتزّ هاتفها القديم فوق الطاولة. رقم مجهول. فتحت الرسالة الصوتية، فجاء صوت أبيها مبحوحًا، كأنه يتحدث من قاع بئر:
"ليان... إذا سمعتِ هذا بعد موتي، فلا تثقي بمن يطلب بيع الزجاج الأسود. آدم حي. لا تبحثي عنه في البحر، بل في المكان الذي لا يدخله الضوء. أول مفتاح داخل آخر كأس صنعتُه بيدي."
تجمدت الورشة. حتى الفرن بدا كأنه خفّض لهبه ليستمع.
انتزع جابر الهاتف من يدها، وجهه شاحب. "من أين جاءت هذه؟"
"أبي سجلها." مدت يدها تستعيد الهاتف. "كان يعرف أنه سيموت."
في تلك اللحظة انطفأت الأنوار كلها، ثم انبعث من الفرن صوت صفير حاد. ركض أحد العمال نحو الباب، لكن الواجهة الزجاجية انفجرت إلى آلاف الشظايا، دون نار، دون دخان، فقط موجة هواء حار ألقت الجميع أرضًا. وقبل أن تغيب ليان عن الوعي، رأت بين الشظايا رجلًا يرتدي معطفًا رماديًا، يلتقط من رفّ العرض كأسًا أسود صغيرًا، ثم يختفي في الزقاق.
عندما فتحت عينيها، كان عمّها يصرخ باسمها، والشرطة تطوّق المكان، والفرن الأزرق صار حفرة خامدة. أما هاتفها فكان في قبضتها، وعلى شاشته رسالة جديدة من الرقم نفسه:
"الرسالة الثانية ستصل عندما تكسرين الكأس الخطأ."