لم تكن ليان البحيري تحب الطابق السابع في شركة «نُهى القابضة». ليس لأنه الطابق الأعلى في مبنى قديم يطل على ميناء رمادي، ولا لأن المصعد كان يتوقف دائماً بين السادس والسابع كأنه يندم على الوصول، بل لأن الأرشيف هناك كان يحفظ ما لا يريد أحد تذكّره: عقود منتهية، شكاوى موظفين اختفوا فجأة، وملفات تحمل أختاماً زرقاء لا تظهر إلا تحت ضوء معيّن.
في صباح الخميس، دخلت ليان المكتب قبل الجميع. كانت ترتدي قميصاً أبيض بسيطاً وتخفي في كمّه بقعة على معصمها تشبه نصف عين. منذ طفولتها قيل لها إنها وحمة عادية، لكن أمها الراحلة كانت تسميها «علامة الباب»، وتمنعها من الاقتراب من البيوت المهجورة أو الأوراق المختومة بالأزرق.
ضحكت ليان كلما تذكرت ذلك. العالم لا يعمل باللعنات، بل بالتوقيعات.
لكنها في ذلك اليوم وجدت على مكتبها ملفاً بلا اسم، فوقه ورقة مكتوب عليها: «راجعيه قبل أن يراه ريان.»
ريان العاصي، المدير التنفيذي الجديد، كان أسوأ ما حدث للشركة وأفضل ما حدث لميزانيتها. شاب في أوائل الثلاثين، حاد النظرة، يتكلم كأنه يوقّع قرارات فصل حتى حين يقول صباح الخير. منذ جاء من فرع دبي، غيّر نظام العمل، طرد ثلاثة مدراء، ومنع القهوة المجانية بعد الظهر. الموظفون كرهوه، وليان كرِهته أكثر لأنها كانت الوحيدة التي ترد عليه بلا ارتباك.
فتحت الملف فوجدت عقد بيع لمخزن قديم اسمه «بيت المرآة» في حي مهجور قرب البحر. تاريخه قديم، لكن ختم التصديق جديد… وموقّع باسمها.
تجمدت أصابعها.
لم توقّع ليان شيئاً. ومع ذلك كان توقيعها هناك، نسخة كاملة من خطها، بل حتى النقطة الصغيرة التي تضعها فوق الياء بزاوية مائلة.
قبل أن تستوعب، انطفأت أنوار الأرشيف. من خلف الرفوف جاء صوت ورق يتمزق، ثم همس واضح:
«الشاهدة عادت.»
تراجعت ليان، فاصطدمت بشخص وقف في الظلام. كادت تصرخ، لكن يداً أمسكت فمها.
قال ريان بصوت منخفض: «لو صرختِ، سيموت الرجل الموجود في غرفة الخوادم.»
دفعت يده بعنف. «أنت تتجسس عليّ؟»
رفع هاتفه، وفيه بث مباشر من كاميرا أمنية: عامل صيانة ممدد على الأرض، وبجواره شخص ملثم يعبث بالخوادم.
قال ريان: «كنت أراقب الملف، لا أنتِ. والآن توقيعكِ صار على عقد يساوي مئتي مليون… وجريمة قد تحدث في الطابق نفسه.»
في الشاشة، التفت الملثم نحو الكاميرا، ورفع ورقة عليها الختم الأزرق نفسه.
ثم قطع البث.