في صباحٍ رماديّ فوق كورنيش الإسكندرية، وقفت ليان مراد أمام برج زجاجي يحمل اسم شركة «أفق الساحل للتطوير». لم تكن تبحث عن وظيفة، رغم أن ملفها يقول ذلك. كانت تبحث عن رجلٍ وقّع على ورقة واحدة، فانهار بعدها بيت عائلتها، ومات أخوها آدم في حادثٍ قيل إنه سقوط من سطح مهجور.
على ظهر كفها الأيسر، تحت سوارٍ فضي عريض، اختبأت علامة زرقاء على شكل نصف قمر. ظهرت ليلة موت آدم، كأن جلدها تذكّر شيئاً لم تره عيناها. منذ ذلك اليوم، صارت تسمع أحياناً صوتاً بعيداً يقول: «لا تصدقي من يفتح الباب أولاً.»
في الطابق السابع، استقبلتها الموظفة بابتسامة مصنوعة. مكتب واسع، وجدران تحمل صور مشاريع فاخرة، ورجال ببدلات داكنة يتكلمون عن البحر كأنه سلعة تُباع بالقطعة. جاءت ليان لتعمل في قسم الحسابات المؤقتة؛ منصب بسيط يكفيها للوصول إلى الأرشيف.
ثم دخل رائد شاهين.
كان المدير التنفيذي للشركة، شاباً في منتصف الثلاثينات، حاد الملامح وهادئ الصوت. لم يكن يشبه الوحوش التي تخيلتها ليان. قال وهو ينظر إلى سيرتها الذاتية: «غريب أن تتركي بنكاً كبيراً لتعملي بعقد ثلاثة أشهر عندنا.»
ابتسمت دون أن ترمش: «أحياناً يحتاج الإنسان إلى مكان جديد ليتعلم درساً.»
رفع عينيه إليها، كأنه سمع تهديداً لا جملة مقابلة. «ومن سيعلّم من؟»
قبل أن تجيب، انطفأت أنوار الطابق للحظة. شاشة الحاسوب خلفه اشتعلت وحدها، وظهرت عليها صورة بيت قديم على أطراف المدينة، بيت أبيض بنوافذ زرقاء مكسورة. تجمد وجه رائد، ثم أغلق الشاشة بسرعة.
قالت ليان بهدوء: «مشكلة كهرباء؟»
ردّ وهو يضغط على فكه: «مشكلة قديمة.»
في نهاية اليوم، وبينما كانت تجمع أوراقها، وجدت داخل درج مكتبها بطاقة صغيرة بلا توقيع: «إذا أردتِ معرفة من قتل آدم، اذهبي إلى بيت الياقوت بعد منتصف الليل. ولا تثقي برائد شاهين.»
شدّت السوار فوق العلامة الزرقاء. لأول مرة منذ عام، شعرت أن أخاها لم يمت وحده.