لم تكن ليان منصور تؤمن بالأشباح، لكنها كانت تؤمن بالأرقام. الرقم الكاذب يرتجف في جدول الحسابات كما ترتجف يد السارق حين يمدها إلى جيب غيره. لهذا، حين استلمت منصب مديرة الامتثال في شركة «نخلة الزجاج» للاستثمار العقاري، لم ترَ في البرج القديم المطل على الكورنيش سوى أصلٍ مهمل ينبغي بيعه أو ترميمه.
في أول اجتماع لها، دخل آدم الجابري، المدير التنفيذي الجديد، ببدلته الرمادية ونظرته الهادئة التي تستفز من اعتادوا الصراخ. قال للموظفين: «الشركة ستنظف دفاترها قبل أن تبني طابقًا جديدًا». ضحك البعض بتوتر، أما ليان فشدت كمّ قميصها فوق معصمها الأيسر؛ هناك كانت علامة زرقاء تشبه نصف ختم، ظهرت منذ اختفاء والدها قبل خمسة عشر عامًا.
بعد الاجتماع، اقترب منها آدم وسألها: «أنتِ ابنة سامر منصور؟»
تصلبت ملامحها. كان والدها محاسبًا في الشركة نفسها قبل أن يُتهم باختلاس مبلغ هائل ثم يختفي في الليلة التي احترق فيها أرشيف البرج. ماتت أمها وهي تردد أن سامر بريء، وأن من شهد الحقيقة ابتلعته الجدران.
قالت ليان ببرود: «أنا مديرة امتثال، لا ابنة ملف قديم».
ابتسم آدم كمن تلقى ضربة ولم يردها. «إذن ستفهمين لماذا أحتاجك. هناك تحويلات حديثة تمر عبر مشروع اسمه: السرداب الأزرق».
تجمد الدم في عروقها. الختم على معصمها كان أزرق. وفي الليلة نفسها، حين دخلت وحدها إلى أرشيف البرج المهجور، انطفأت الكهرباء. لم تسمع سوى خشخشة أوراق، ثم صوت رجل عجوز يهمس من خلف الرفوف: «لا تفتحي الدفتر أمام من تحبينه... أول الخيانة يكون ثقة».
أضاء هاتفها على رسالة مجهولة: «إذا أردتِ براءة أبيك، تعالي إلى الطابق الثالث عشر قبل الفجر. ولا تخبري آدم».
رفعت ليان عينيها نحو السلم المظلم، فرأت ظل امرأة بلا وجه يترك على الحائط علامة زرقاء كاملة.