وصلت الشرطة بعد عشر دقائق، لكن الخوف وصل قبلها. انتشر الخبر داخل الشركة كالنار: جريمة قتل، ملف مفقود، وفتاة الأرشيف التي كانت آخر من فتح الباب. حاول الموظفون الابتعاد عن ليان كأن العلامة على يدها عدوى. أما رائد، فوقف أمامها حين أراد الضابط سليم منصور اقتيادها إلى غرفة التحقيق.
قال رائد بهدوء: «هي موظفة عندي. إن كانت شاهدة فستتحدث بحضور محامٍ».
ابتسم الضابط سليم، وكانت ابتسامته تشبه سكينًا نظيفًا. «غريب اهتمامك بها يا أستاذ رائد. خصوصًا أن توقيعك في الملف الذي اختفى».
التفتت ليان إلى رائد. «اختفى؟»
لم يجب. تلك كانت أول مرة تكرهه فيها بصدق. ليس لأنه متهم، بل لأنه يعرف أكثر مما يقول.
في المساء، استدعاها مجلس الإدارة. جلسوا أمامها كما يجلس القضاة، بينهم نادية الرفاعي، رئيسة الموارد البشرية، امرأة أنيقة تتحدث كأنها تلقي حكمًا مؤجلًا.
قالت نادية: «سمعتك في الشركة انتهت يا ليان. لكننا سنمنحك فرصة. اكتبي إقرارًا بأنك فتحت الملف بدافع الفضول، وأنك لم تري شيئًا وقت الحادث».
سألت ليان: «وماذا لو رأيت؟»
مالت نادية إلى الأمام. «سأعلمك درسًا لن تنسيه. الفقراء لا يربحون حين يواجهون أصحاب الأسماء الكبيرة».
في تلك اللحظة، شعرت ليان بشيء يتحرك داخلها. لم يكن غضبًا فقط، بل ذاكرة لا تخصها. رائحة دخان. صراخ امرأة. باب خشبي أزرق. طفل يبكي. ثم قصر وسط ضباب.
خرجت من الاجتماع دون أن توقع. في المصعد، وجدت رسالة على هاتفها من رقم مجهول: «إذا أردتِ معرفة من قتل أمك، تعالي إلى قصر البحيري قبل منتصف الليل. لا تثقي برائد».
كادت تسقط الهاتف. أمها لم تُقتل، كما قالوا لها دائمًا. ماتت في حادث مطبخ. هكذا قيل لها. هكذا أجبرت نفسها أن تصدق.
عند باب الشركة، كان رائد ينتظرها. قال: «وصلتك الرسالة؟»
تراجعت خطوة. «هل تراقب هاتفي؟»
قال: «أراقب من يراقبك. والرسالة فخ».
«ومن أنت؟ حاميّ؟ أم قاتل يحاول اختيار مسرح الجريمة؟»
اقترب، وخفض صوته: «أنا آخر شخص يريد أن تموتي. لأن العلامة على يدك قد تكون الدليل الوحيد على براءة أبي... وعلى جريمة بدأت قبل عشرين سنة».
في الخارج، توقفت سيارة سوداء بلا لوحات. خرج منها رجلان. أحدهما كان يحمل نفس الختم الأزرق على خاتم فضي.
أمسك رائد بيد ليان وركض.