في شركة «نهران للاستشارات»، كان الطابق السابع يشبه واجهة زجاجية للحلم: مكاتب لامعة، عطور باهظة، ابتسامات محسوبة، وقهوة لا يبرد ثمنها في يد أحد. لكن ليان مراد، موظفة الأرشيف التي لا يلتفت إليها أحد، كانت تعرف أن اللمعان أكثر الأشياء قدرة على إخفاء العفن.
لم تكن ليان جميلة بالطريقة التي تجعل الناس يتوقفون في الممرات، لكنها كانت تملك عينين تسجلان كل تفصيلة، وصمتًا يجعل الآخرين يظنونها غائبة. في صباح الأحد، وبينما كانت ترتب عقود مشروع «الواجهة البحرية»، لاحظت ملفًا بلا رقم، مختومًا بختم أزرق يشبه العلامة الموجودة على معصمها منذ طفولتها: دائرة ناقصة يتوسطها خط مائل.
لم تكن العلامة وشمًا. حاولت أمها إخفاءها بالكريمات، وحاول طبيب جلدية مرة أن يحرقها بالليزر، لكنها عادت بعد أسبوع أغمق مما كانت. كانت أمها تقول لها: «إذا سألك أحد، قولي أثر حرق قديم». لكن أمها ماتت قبل أن تخبرها: حرق ماذا؟ ومن أشعل النار؟
فتحت ليان الملف، فوجدت صورًا لقصر مهجور في أطراف المدينة، وكشف تحويلات بملايين الجنيهات إلى أسماء وهمية، وتوقيعًا مألوفًا: رائد السالمي، المدير التنفيذي الجديد، الرجل الذي جاءت الصحف تصفه بـ«العبقري البارد» و«الوريث الذي ينقذ الشركات الغارقة».
في اللحظة نفسها، انفتح باب الأرشيف بعنف. دخل رائد بنفسه، مرتديًا بدلة رمادية، ووجهه هادئ لدرجة مخيفة.
قال: «هذا الملف لا يخصك يا آنسة ليان».
أغلقت الملف ببطء، لكنها لم تتركه. سألته: «ولماذا يحمل نفس العلامة الموجودة على يدي؟»
تغير وجهه لأول مرة. لم يبدُ مذعورًا، بل كمن رأى شبحًا كان ينتظره منذ زمن. اقترب خطوة، ثم همس: «من أين حصلتِ على هذه العلامة؟»
قبل أن تجيب، انقطع التيار الكهربائي في الطابق كله. صرخت موظفة من بعيد. ثم دوى صوت ارتطام ثقيل.
ركض الاثنان نحو قاعة الاجتماعات، وهناك رأيا حسام العدل، المدير المالي، ساقطًا على الطاولة الزجاجية، وعيناه مفتوحتان، وفي يده ورقة ممزقة كتب عليها: «الشاهدة تحمل الختم».
نظرت ليان إلى يدها. كان الختم الأزرق يلمع تحت جلدها كأنه استيقظ.