لم تكن الجثة مجهولة بالنسبة إلى يزن. كانت لسالم الديب، محاسب متقاعد أعادته الشركة بعقد استشاري سري قبل أسبوع. رجل مسن كان يخبئ ذاكرة رقمية تحتوي على حسابات سوداء لتحويل أموال مشروع «سراي الوادي» إلى شبكة تُسمى بين العاملين همسًا: «المعاشات الذهبية».
لم تكن عصابة بالمعنى التقليدي. كانوا مديرين سابقين، قضاة متقاعدين، ضباطًا تركوا الخدمة، ومقاولين يبدون في الصور الرسمية كأجداد لطفاء. يسرقون الأراضي عبر أوراق نظيفة، ويمحون الشهود عبر حوادث تبدو عادية، ويشترون الصمت برواتب تقاعدية ضخمة.
استدعت الشرطة ليان لأنها كانت آخر من دخل الأرشيف. وقف نادر السقّا بجانب المحقق وقال: «للأسف، الآنسة ليان لديها تاريخ من التلاعب بالملفات في عملها السابق.»
احمر وجهها. «تمت تبرئتي.»
قال نادر: «لكن السمعة لا تتبرأ.»
تقدم يزن فجأة. «وأنا أؤكد أنها كانت في اجتماع معي وقت الوفاة.»
نظرت إليه بدهشة. كان يكذب لينقذها، ومع ذلك شعرت بأن الكذبة وضعتها في خطر أكبر. المحقق رفع حاجبه، بينما ضاق وجه نادر كمن خسر خطوة في لعبة طويلة.
بعد خروج الشرطة، انفجرت ليان في يزن: «لا تكذب من أجلي. الكذب هنا له فاتورة.»
قال: «والصدق هنا له جنازة.»
سألته: «أين الذاكرة الرقمية؟»
أجاب: «اختفت من يد سالم قبل وصول الشرطة. وهناك شخص واحد يعرف مكانها: من قتله.»
في تلك الليلة، قررت ليان أن تعطي الجميع درسًا، لا في الأخلاق بل في الخوف. استعانت بخبرتها في الأرشيف، وبدأت تعيد ترتيب الملفات بطريقة تكشف التناقضات الزمنية. كل عقد موقّع قبل تأسيس الشركة، كل شهادة وفاة مؤجلة، كل ترخيص يحمل ختم موظف مات قبل تاريخ الإصدار.
لكن الدليل الحقيقي جاء من مكان لم تتوقعه: المصعد القديم المغلق منذ عشرين عامًا، الموجود خلف جدار جبس في الممر الخلفي. الختم الأزرق على معصمها قادها إليه كإبرة بوصلة. وضعت يدها على الجدار، فسمعت صوت أبيها واضحًا للمرة الأولى:
«الطابق ليس الثالث عشر يا ليان… إنه الطابق الذي حذفوه.»
دفعت لوحة كهرباء مكسورة، فانفتح باب ضيق يؤدي إلى درج معدني هابط. تبعها يزن رغم رفضها. تحت البرج، وجدا غرفة خوادم قديمة، وفي وسطها جهاز تسجيل يعمل ببطارية احتياطية بدائية. على الشاشة، ظهرت ملفات فيديو محفوظة باسم «الشهود».
كان أول فيديو لوالد ليان. ظهر مرتبكًا، يقول: «إذا حدث لي شيء، فؤاد الرماح أجبرنا على إخفاء انهيار في الأساسات. الأرض تحت المشروع ليست صالحة. وهناك قبور… فتحوها وباعوا عظام الناس مع الردم.»
وضعت ليان يدها على فمها كي لا تصرخ. الفيديو الثاني كان لوالد يزن، يؤكد الكلام نفسه. الفيديو الثالث بدأ بصورة سالم الديب، ثم انقطع فجأة، وظهرت بدلاً منه بث مباشر من كاميرا داخل مكتب فؤاد الرماح.
كان فؤاد يجلس مع نادر، يقول: «البنت فتحت الباب. الختم استجاب لها. أنهوا الأمر الليلة، واجعلوا يزن يوقع على اعتراف بالاختلاس. الحب يجعل الرجال حمقى.»
التفتت ليان إلى يزن. لم يكن في عينيه خوف، بل اعتذار قديم.
قالت بصوت منخفض: «كانوا يعرفون أننا هنا.»
أُغلقت الأبواب الحديدية فوقهما، وبدأت المياه تتدفق إلى الغرفة من أنابيب الصرف، كأن البرج قرر ابتلاعهما كما ابتلع آباءهما.