لم تكن ليان السمهودي تؤمن بالحظ، ولا بالصدف، ولا بالمديرين الذين يبتسمون أكثر من اللازم. كانت تؤمن فقط بالأوراق المختومة، وبالملفات التي لا تكذب، وبأن راتب آخر الشهر هو الشيء الوحيد الذي لا يجوز المزاح بشأنه.
في صباح رمادي من صباحات القاهرة الجديدة، وقفت أمام برج شركة «مدائن النيل» العقارية، تحدق في الواجهة الزجاجية التي تعكس السماء كأنها تخفي ما بداخلها. جاءت ليان لوظيفة بسيطة: مسؤولة أرشيف عقود. وظيفة لا تسأل كثيرًا ولا تُسأل كثيرًا. وهذا كان مناسبًا لها، خصوصًا بعد أن تركت عملها السابق إثر فضيحة لم تصنعها لكنها دفعت ثمنها.
في الطابق الثالث عشر، استقبلتها موظفة الموارد البشرية بابتسامة سريعة، ثم قادتها إلى مكتب واسع يطل على مدينة من الخرسانة اللامعة. هناك كان يجلس يزن العوفي، المدير التنفيذي الجديد، رجل في منتصف الثلاثينات، هادئ العينين، يضع ساعة قديمة لا تناسب بدلته الفاخرة.
قال وهو يتصفح سيرتها: «ثلاث سنوات في أرشيف محكمة تجارية، وسنة في شركة تأمين، ثم استقالة مفاجئة.»
ردت ليان ببرود: «أحيانًا يكون الخروج من المكان أنظف من البقاء فيه.»
ابتسم يزن كأنه أعجبه الرد. «نحتاج شخصًا يعرف متى يصمت، ومتى يقرأ بين السطور.»
مدّ إليها عقد العمل. حين أخذته، انزاح كم قميصها قليلًا، فظهر على معصمها الأيسر ختم أزرق باهت، يشبه عينًا داخل مثلث. تصلبت نظرة يزن لحظة واحدة، لكنها لم تفلت منها.
سأل بهدوء مصطنع: «وشم؟»
سحبت يدها بسرعة. «أثر حادث قديم.»
لم يكن حادثًا. كانت العلامة تظهر وتختفي منذ وفاة والدها، عامل المصعد الذي سقط من الطابق الثالث عشر في البرج نفسه قبل عشرين عامًا، حين كان المبنى لا يزال مشروعًا نصف مكتمل. قيل يومها إنه انتحر. قيل أيضًا إنه كان سكران. لكن ليان لم تصدق يومًا أن أباها، الذي كان يخاف من الشرفات، اختار الموت من الأعلى.
وقّعت العقد. وقبل أن تغادر المكتب، قال يزن: «هناك قاعدة واحدة هنا يا آنسة ليان: لا تفتحي ملفات الخزانة السوداء إلا بأمر مني.»
نظرت إليه. «وماذا يحدث إذا فُتحت؟»
أجاب: «الأشخاص الذين فتحوها قبلك لم يكملوا الأسبوع.»
في تلك الليلة، بقيت ليان وحدها لترتيب الأرشيف. انقطعت الكهرباء فجأة، لكن شاشة حاسوب قديم في زاوية الغرفة أضاءت من تلقاء نفسها. ظهرت عليها عبارة واحدة: «لا تصدقي يزن… لكنه ليس عدوك.»
ثم سُمعت من داخل الجدار ثلاث طرقات بطيئة، كأن شخصًا مدفونًا خلف الخرسانة يطلب الخروج.