في اليوم التالي، قررت ليان ألا تهرب. الهروب كان وصية أبيها، أما البقاء فكان طريقتها في فهم لماذا مات خائفًا. بدأت تراجع العقود القديمة للشركة، فاكتشفت نمطًا مخيفًا: كل منزل يُشترى في حيّ الورّاق يظهر قبله بلاغ مجهول عن "خطر إنشائي"، ثم تأتي لجنة هندسية مزيفة، ثم يزور صاحب البيت رجل يضع خاتمًا عليه الدائرة الزرقاء نفسها.
داخل المكتب، كانت الحرب أنيقة. زميلها نادر، مدير الشؤون القانونية، حاول إحراجها في اجتماع الإدارة بعرض ملف ناقص واتهمها أمام الجميع بأنها لا تفهم قانون الاستثمار. لكن ليان، التي كانت تحفظ مواد القانون كما يحفظ الأطفال أسماءهم، أخرجت نسخة أصلية من حقيبتها وقالت: "الملف ناقص لأن الصفحة التي تدين الشركة اختفت من الأرشيف. لكن الذي سرقها نسي أن يزيل أثر المسح من النظام."
سقط الصمت. تغير وجه نادر. أما آدم فظل ينظر إليها كأنه يراها للمرة الأولى، لا كمحامية مشاكسة بل كخطر جميل.
بعد الاجتماع لحق بها إلى المصعد. قال: "علّمتِ نادر درسًا لن ينساه."
قالت: "أنا لا أدرّس. أنا أفضح."
ضحك للمرة الأولى، ضحكة قصيرة كسرت قناع المدير البارد. لثوانٍ، شعرت ليان أن بينهما شيئًا يتشكل، شيئًا لا يليق بامرأة جاءت لتطعن عائلته في قلبها. لكنه اقترب وهمس: "إذن افضحي معي. الليلة سنذهب إلى بيت الملح."
رفضت فورًا، ثم وافقت بعد أن أرسل لها صورة من سجل قديم. في الصورة امرأة تشبه أمها في شبابها، تقف أمام القصر نفسه، وعلى معصمها الختم الأزرق.
في الليل، دخلا القصر من باب جانبي مكسور. كان بيت الملح مبنى عثمانيًا مهجورًا، جدرانه متشققة كجلد عجوز، ورائحة البحر فيه أقوى من البحر نفسه رغم أنه بعيد عن الشاطئ. كلما خطت ليان خطوة، شعرت أن الأرض تتنفس تحتها.
فجأة سمعا طرقًا من الطابق العلوي. ثلاث طرقات، ثم همسة: "ليان..."
تجمدت. الصوت يشبه صوت أبيها.
صعد آدم قبلها، لكنها جذبته من ذراعه: "لا تتصرف كبطل غبي."
قال وهو يبتسم رغم الخوف: "وأنتِ لا تتصرفي كأنك لا تهتمين إن متُّ."
في الغرفة العلوية وجدا جدارًا مغطى بصور نساء، كلهن يحملن الختم الأزرق. تحت كل صورة تاريخ اختفاء. وفي المنتصف صورة ليان وهي طفلة، ملتقطة من بعيد أمام مدرستها.
وقبل أن تستوعب، أُغلق الباب خلفهما بقوة، واشتعلت شاشة قديمة في زاوية الغرفة. ظهر رجل ملثم وقال: "الدرس الأول يا أستاذة ليان: من يفتح ذاكرة البيت، يصبح جزءًا منها."
ثم بدأ الدخان يتسرب من تحت الأرضية.