لم تكن ليان منصور تؤمن بالصدف، خصوصًا عندما يصلها عرض عمل من شركة "أفق الميناء" بعد يومين فقط من طردها من مكتب المحاماة الذي دافعت فيه عن سكان حيّ الورّاق القديم. العرض كان سخيًا إلى حد الإهانة: راتب مضاعف، مكتب زجاجي يطل على النيل، ومنصب "مستشارة قانونية للمشروعات التراثية".
ضحكت أمها حين رأت العقد وقالت: "أخيرًا الدنيا ابتسمت لك." لكن ليان لم تبتسم. كانت تعرف أن الشركة نفسها تحاول شراء بيوت الحي بأبخس الأسعار، وأن ثلاث عائلات اختفت ملفات ملكيتها من المحكمة في أسبوع واحد. الأغرب أن آخر صفحة في العقد تحمل شعارًا صغيرًا لم يلاحظه أحد: دائرة زرقاء يتوسطها خط مائل، مطابق تمامًا للوشم القديم على معصمها الأيسر.
لم يكن وشمًا اختارته. وُلدت به، أو هكذا قالت أمها. علامة زرقاء باهتة كأنها ختم على جلدها. طوال عمرها كانت تخفيها بسوار فضي عريض، لا لأنها تخجل منها، بل لأن والدها الراحل أوصاها قبل موته: "لو سأل أحد عن الختم، اهربي قبل أن يشرح لك السبب."
في صباحها الأول بالشركة، استقبلتها موظفة الموارد البشرية بابتسامة مدربة وقادتها إلى الطابق السابع والثلاثين. هناك، وقف آدم الراوي، المدير التنفيذي، ببدلته الرمادية ونظرة رجل اعتاد أن يربح قبل أن يبدأ التفاوض.
قال دون مقدمات: "أعرف أنك تكرهيننا. وهذا بالضبط سبب تعيينك."
ردت ليان ببرود: "تريدون أن تشتروا ضميري ضمن باقة المزايا؟"
ابتسم آدم: "لا. أريدك أن تمنعي والدي من هدم ما تبقى من المدينة."
ارتبكت للحظة. كان اسم والده، مراد الراوي، يظهر في كل صفقة مشبوهة، وكل إخلاء قسري، وكل إشاعة عن عصابة تُرهب السكان لبيع منازلهم. لكن آدم ألقى أمامها ملفًا سميكًا عليه ختم المحكمة، وداخله صور لقصر مهجور على أطراف الحي، يعرفه الناس باسم "بيت الملح".
قال آدم: "كل شيء بدأ من هذا القصر. ومن علامة على يد امرأة لم تظهر منذ ثلاثين سنة."
قبل أن تسأله، انطفأت أنوار الطابق كله. ثم ظهر على شاشة الاجتماعات، دون أن يلمسها أحد، مقطع قصير لفتاة تبكي داخل غرفة مظلمة وتقول: "لا تثقوا بصاحب الختم الأزرق. الشاهد لم يمت."
وعندما عادت الأنوار، كان سوار ليان الفضي مفتوحًا على الأرض، والختم الأزرق في معصمها يلمع كأنه استيقظ.