في الطابق الأربعين من برج «النخلة الزرقاء» كانت الأنوار لا تنطفئ أبدًا، لا لأن الشركة تعمل ليلًا ونهارًا فحسب، بل لأن أحدًا لم يجرؤ على ترك ذلك الطابق في الظلام منذ حادث المصعد قبل سبع سنوات.
ليان منصور لم تكن تؤمن بالخرافات. كانت موظفة أرشيف رقمية، تختبئ بين الخوادم والملفات الممسوحة، وتعرف أسرار الموظفين أكثر مما يعرفونها عن أنفسهم. وظيفتها بسيطة: تحويل عقود شركة «مدار للإنشاءات الذكية» إلى نسخ رقمية لا يمكن تزويرها. لكنها في تلك الليلة، حين تأخرت لتسليم ملف مناقصة حكومية، سمعت صوت امرأة يضحك من غرفة الاجتماعات المغلقة.
اقتربت ليان من الزجاج المعتم. كان الضوء في الداخل أزرق كأنه قادم من شاشة ميتة. رأت رجلين يقفان حول طاولة، وثالثًا على الأرض يضغط يده على صدره. لم تكن تعرف الرجل المطروح، لكنها عرفت أحد الواقفَين: فؤاد السالمي، رئيس الإدارة القانونية، صاحب الابتسامة التي تُباع بها الأكاذيب.
أما الرجل الثاني فكان يضع قفازًا أسود ويمسك بختم معدني صغير.
قال فؤاد بصوت خفيض: «لا شاهد بعد الليلة.»
تراجعت ليان، فاصطدمت بحامل ملفات. سقط صندوق كرتوني، وارتد الصوت في الممر كصفعة. فتح الرجل ذو القفاز الباب، لكن ليان ركضت نحو المصعد. قبل أن تصل، انطفأت كل المصابيح دفعة واحدة، وظهر على زجاج المصعد انعكاس امرأة بثوب قديم، تشير إلى معصمها.
شعرت ليان بحرارة حادة في جلدها. نظرت إلى يدها فوجدت علامة سوداء تشبه نصف قمر داخل مربع، كأن أحدهم ختمها وهي لا تدري.
وصل المصعد، لكنها لم تكن وحدها. دخل معها آدم الراوي، المدير التنفيذي الجديد، الرجل الذي تهابه الشركة كلها وتلقبه الصحافة بـ«البارد الذي يشتري الصمت». كان يرتدي معطفًا رماديًا، يحمل حقيبة جلدية، وعيناه لا تعترفان بالدهشة.
سألها: «لماذا تركضين في طابقي؟»
كانت ستقول له إنها رأت جريمة، لكن باب غرفة الاجتماعات انفتح في نهاية الممر، وخرج فؤاد مبتسمًا كأنه يستقبل ضيفًا.
همست ليان: «إذا قلت الحقيقة الآن، سأموت.»
نظر آدم إلى العلامة في معصمها، فتغير وجهه لأول مرة.
قال: «إذن لا تتكلمي. ابتسمي كأنك سرقتِ شيئًا مني.»
وقبل أن تفهم، جذبها إليه ووضع يده على كتفها، وخرج بها أمام فؤاد كأنهما عاشقان تم ضبطهما في موعد سري. ابتسم فؤاد ابتسامة ضيقة، لكن عينيه توقفتا عند معصم ليان.
قال بهدوء: «يبدو أن الآنسة ليان أصبحت من أهل الطابق الأربعين.»