لم تكن ليان منصور تؤمن باللعنات، رغم أن جدتها ماتت وهي تردد: «إياكِ أن تسمحي لأحد أن يرى الختم حين يبتل جلدك». كان الختم بقعة فضية صغيرة تحت عظمة كتفها، لا تظهر إلا عندما يلامسها المطر أو ماء البحر، كأن الجلد يفتح نافذة على معدن مدفون في الجسد.
في صباح خريفي، دخلت ليان إلى برج «النخيل الأزرق» في قلب المدينة، تحمل حقيبة قديمة وسيرة ذاتية مطوية، لتبدأ عملها في قسم الأرشيف بشركة «الروافد المتحدة» للعقارات. كان المبنى كله زجاجًا ومرايا، والناس فيه يتحدثون بأصوات منخفضة كأن الأسرار أثاث رسمي.
في المصعد، انطفأت الأنوار لحظة. وحين عادت، وجدت رجلًا طويلًا يقف بجانبها، يرتدي بدلة رمادية، وينظر إلى يدها التي ابتلت من مظلتها. قال ببرود: «أنتِ الموظفة الجديدة؟»
أجابت: «ليان منصور. أرشيف العقود.»
ابتسم ابتسامة لا تصل إلى عينيه. «آدم شاهين. المدير التنفيذي المؤقت. في هذا المكان، الأرشيف ليس قبوًا للورق. هو مقبرة للأحياء.»
لم تفهم إن كان يحذرها أم يسخر منها. لكن قبل أن تسأله، توقف المصعد في الطابق السابع عشر، ودخلت امرأة ذات شعر قصير ونظرة حادة. ما إن رأت ليان حتى اتسعت عيناها كأنها تعرفها منذ زمن. همست: «أخيرًا رجعت العلامة.»
ثم خرجت بسرعة قبل أن تغلق الأبواب.
تجاهل آدم الأمر، لكن ليان لاحظت ارتعاش أصابعه. وفي مكتب الأرشيف، وجدت ملفًا بلا رقم ينتظرها على مكتبها. على غلافه كلمة واحدة مكتوبة بحبر أحمر: «شاهدة».
فتحت الملف، فوجدت صورة قديمة لامرأة تشبهها إلى حد مخيف، تقف أمام فيلا مهجورة على أطراف المدينة. وتحت الصورة: «نورا منصور، موظفة أرشيف، اختفت قبل خمسة وعشرين عامًا بعد حريق مخزن العقود.»
كانت نورا اسم أمها التي قيل لها إنها ماتت في حادث سفر.
قبل أن تستوعب، انطفأت مصابيح الغرفة. ومن خلف رفوف الملفات، سمعت صوتًا خافتًا يقول: «لا تثقي بمن يملك مفاتيح الطابق الأخير.»