كانت قاعة المحكمة مزدحمة بالمصورين، مع أن المتهم ميت، والخصوم يترافعون ضد ذاكرته لا جسده. على المقاعد الأولى جلست شقيقة رامي شهاب، نادين، بوجه جامد كتمثال من الملح. وفي الجهة الأخرى وقف عاصم الديب، ابن الملحن الراحل، يمسك بصورة أبيه كأنها بطاقة عبور إلى العدالة.
ليلى حضرت بصفتها ممثلة لشركة التأمين، وآدم جلس بجانبها يراجع أوراقًا لا تنتهي. كان بينهما صمت حاد، صمت شخصين يعرف كل منهما أن الآخر يخفي شيئًا.
بدأت الجلسة حين عرض محامي عاصم مقطعًا صوتيًا قديمًا، يُسمع فيه صوت شبيه برامي وهو يقول: «اللحن سيصير لي، والفقير لن يقدر على الصراخ.» ضجّت القاعة. نادين انهارت، والصحفيون التقطوا دموعها كالغنيمة.
همست ليلى: «الصوت مفبرك.»
التفت آدم إليها بسرعة. «كيف عرفتِ؟»
«رامي كان يتلعثم في حرف الراء عندما يغضب. هنا لا يفعل.»
لمعت عينا آدم. «كنتِ معجبة به؟»
قالت بحدة: «كنت طفلة تحفظ الأغاني. هذا لا يجعله بريئًا.»
في الاستراحة، اقترب منها رجل قصير يرتدي معطفًا رماديًا رغم الحر. وضع في يدها قصاصة من ورق مقوى دون أن ينظر إليها. فتحتها فوجدت ختمًا أحمر على شكل ياقوتة، وتحتها عبارة: «الدفتر في الإطار. والإطار في يد من يحبك كذبًا.»
ارتجف قلبها. هل يقصد آدم؟ أم أحدًا آخر؟
عادت إلى القاعة فوجدت آدم يتحدث سرًا مع نادين. كان وجهه قريبًا من وجهها، وكانت نادين تمسك بمعصمه كما لو أنهما يعرفان بعضهما منذ زمن. شعرت ليلى بوخزة غريبة، كأن الغيرة ارتدت قناع الشك.
في المساء، ذهبت إلى مخزن الجمرك القديم خلافًا للعقل. كانت الأزقة خلف الميناء تبتلع الضوء، والبحر يضرب الحجارة كيد غاضبة. داخل المخزن، وجدت صناديق خشبية مكتوبًا عليها أسماء معارض أوروبية. وفي الوسط كان عاصم الديب ينتظرها.
قال: «أنتِ ابنة حسن حمدي، صح؟ جدك مات لأنه حاول يهرب من العصابة.»
رفعت هاتفها لتسجل، لكنه ضحك: «لا تخافي. أنا لا أعمل معهم. أنا ألاحقهم.»
سألته: «من هم؟»
قال وهو يشير إلى الصناديق: «يسمون أنفسهم عصبة المحبرة. يسرقون الأعمال الفنية، يخفون داخلها عقودًا مزورة واعترافات، ثم يبتزون أصحابها. لوحة جدك لم تحترق. كانت تحمل وثيقة تثبت أن رامي شهاب اشترى اللحن قانونيًا من أبي، وأن أبي قبض الثمن. لو ظهرت الوثيقة، ستنهار قضيتي، لكن ستظهر حقيقة أكبر: من قتل أبيكِ وجدكِ ومن سرق اللوحات.»
شهقت ليلى: «أبي لم يمت. أبي اختفى.»
نظر إليها عاصم بحزن. «إذن ربما لا يزال في حنهونية.»
سمعت الاسم كأنه باب حديدي يُغلق. حنهونية كانت جزيرة مهجورة في بحيرة نائية، تحولت في الشائعات إلى سجن غير رسمي للمهربين والخونة. لم تكن تصدق وجودها.
وقبل أن تسأله، دوّى رصاص. سقط عاصم أرضًا، ودخل رجال بأقنعة سوداء. ركضت ليلى بين الصناديق، لكن يدًا قوية جذبتها إلى ممر جانبي. كادت تصرخ، ثم سمعت صوت آدم:
«قلت لكِ لا تثقي برسائل المجهولين.»