في الطابق السابع والثلاثين من برج زجاجي يطل على كورنيش الإسكندرية، كانت ليلى حمدي تعرف صوت كل آلة تصوير في شركة «أمانة» للتأمين الفني، وتعرف كذلك أن المدير الجديد، آدم السيوفي، لا يبتسم إلا عندما يوقّع عقدًا رابحًا أو يكتشف كذبة في ملف تعويض.
كانت ليلى مساعدة قانونية، لكنها في الحقيقة ذاكرة الشركة. تحفظ أرقام اللوحات المؤمَّن عليها، أسماء الورثة المتخاصمين، رائحة القهوة التي يشربها الخبراء عند منتصف الليل، وحتى نوع الصمت الذي يسبق فضيحة كبيرة. أما آدم، القادم من لندن بسيرة براقة وبدلة داكنة، فقد دخل الشركة كمن يدخل ساحة معركة، وأعلن في أول اجتماع:
«لا تعويض بلا حقيقة. ولا حقيقة بلا وثائق.»
كرهته ليلى في تلك اللحظة. ليس لأنه متعجرف فحسب، بل لأنه أوقف صرف مبلغ التأمين الخاص بلوحة قديمة كانت عائلتها تنتظر قيمتها لإنقاذ بيتهم من الحجز. اللوحة اسمها «الياقوتة الأخيرة»، وكانت مملوكة لجدّها تاجر التحف المتوفى، قبل أن تختفي في حريق غامض منذ عامين. الشركة اتهمت عائلتها بالإهمال، ووالدتها المريضة كانت تردد كل ليلة: «جدك لم يكن حراميًا يا ليلى.»
في ذلك الصباح، وضع آدم ملفًا أزرق أمامها وقال ببرود:
«أريدك في فريق قضية رامي شهاب.»
ارتبكت. رامي شهاب لم يكن فنانًا عاديًا. كان نجمًا موسيقيًا مات منذ خمس سنوات في حادث غامض، ثم عاد اسمه إلى الشاشات بعدما ظهرت تسجيلات تتهمه بسرقة لحن من ملحن مغمور مات فقيرًا. ورثة الملحن رفعوا قضية كبرى، وشركة «أمانة» كانت تؤمّن مجموعة مقتنيات رامي، ومنها عود مرصع ودفتر كلمات قيل إنه يحتوي الدليل الذي سيحسم الحكم.
سألت ليلى: «وما علاقتي؟»
قال آدم: «دفتر الكلمات اختفى من خزنة المتحف الخاص به الليلة الماضية. ولا أحد يعرف تفاصيل الخزنة مثلك.»
شعرت ليلى بالإهانة. «هل تتهمني؟»
اقترب آدم خطوة. كان صوته أخفض من اللازم: «أتهم المكان كله. وأثق بك بما يكفي لأجعلك في قلب الخطر.»
قبل أن ترد، اهتز هاتفها برسالة من رقم مجهول:
«إذا أردتِ إنقاذ أمك، تعالي الليلة إلى مخزن الجمرك القديم. ولا تخبري السيوفي. الياقوتة لم تحترق.»
نظرت ليلى إلى آدم، ورأت في عينيه أنه قرأ الخوف على وجهها، لكنه لم يسأل. عندها فهمت أن يومها لم يبدأ في المكتب؛ بل في فخّ أكبر من الشركة والحب والقضايا.