في الطابق السابع والثلاثين من برج زجاجي يطل على كورنيش الإسكندرية الجديد، كانت ليان مراد تراجع ترجمة عقد تأمين للوحة قديمة اسمها «ختم الياقوت». لم تكن اللوحة مشهورة في الكتب، لكنها كانت مشهورة بين من يعرفون كيف يخفون الذهب خلف الألوان. قيل إن رسامًا أندلسيًا مجهولًا رسمها قبل أربعة قرون، وإن ختمًا صغيرًا في زاويتها يكشف مكان أرشيف قاضٍ عثماني اختفت أحكامه ذات ليلة.
ليان لم تهتم بالأساطير. كانت تهتم بشيئين: أن تحصل على ترقية في شركة «سادن للتقييم الفني»، وأن تسدد ديون علاج أمها. كانت تعرف اللغات والقوانين، لكنها لا تعرف كيف تكذب بوجه هادئ. لذلك تجمدت يدها عندما وجدت في النسخة العربية من العقد بندًا غير موجود في النسخة الإنجليزية: «في حال ضياع اللوحة، تُصرف قيمة التأمين للطرف الثالث المخفي».
قبل أن تستدعي مديرها، دخل آدم نوفل، رئيس قسم المخاطر الجديد. كان يرتدي بدلة رمادية، وعلى وجهه ابتسامة شخص اعتاد أن يربح قبل أن تبدأ اللعبة. قال وهو يضع فنجان قهوة أمامها: «لا تترجمي ما لا تفهمينه. بعض البنود تُكتب لكي لا تُقرأ».
رفعت عينيها إليه. «وهل هذه نصيحة أم تهديد؟»
قال بهدوء: «تحذير. الليلة سيصل مالك اللوحة. رجل اسمه جلال السيف. إن سأل عنك، قولي إنك موظفة مؤقتة».
كان اسم جلال كافيًا ليجعل قلبها يهبط. جلال السيف لم يكن مجرد جامع تحف، بل صاحب نفوذ ظهر اسمه قبل سنوات في قضية حريق مستودع قضائي. القضية التي سُجن فيها والد ليان بتهمة إتلاف ملفات أحكام حساسة. مات والدها في السجن وهو يقول: «الحكم لم يُكتب في المحكمة، بل في بيت السيف».
في المساء، تحولت الشركة إلى صالة مزاد مصغرة. كاميرات، حراس، مستثمرون، وابتسامات مدفوعة الثمن. ظهر جلال السيف بعباءة سوداء وعصا فضية، وبجواره شاب صامت يحمل حقيبة جلدية. اقترب من ليان كأنه يعرفها منذ الطفولة.
«أنت ابنة فؤاد مراد، أليس كذلك؟»
لم تستطع الإنكار. ابتسم جلال وقال: «أبوك كان أمينًا أكثر من اللازم. وهذه صفة مميتة».
كادت ترد، لكن الأضواء انطفأت. دوّى إنذار الحريق. في الظلام، لمعت نقطة حمراء فوق اللوحة، ثم اختفت اللوحة من إطارها كما لو أن الجدار ابتلعها. وعندما عادت الكهرباء، كان آدم واقفًا أمام الإطار الفارغ، وفي يده قفاز أسود.
صرخ أحد الحراس: «السارق في الداخل!»
نظر آدم إلى ليان نظرة لم تفهمها، ثم همس: «لو أردتِ براءة أبيك، اهربي الآن». وبعد ثوانٍ، وجدت نفسها تجري معه نحو ممر الخدمة، بينما خلفهما كانت كاميرات الشركة تسجل وجهها كمتهمة أولى.