هربا عبر النفق إلى سوق السمك القديم، حيث تختلط رائحة الملح بالخوف. كان يوسف دنقل معهما، يترنح بينهما، يكرر أن اللوحة ليست إلا غطاءً لخريطة مرسومة بطبقات صبغ غير مرئية. الخريطة تقود إلى «دفتر الحراسة»، سجل سري عمره أربعون عاماً يحتوي أسماء قضاة ورجال أعمال ومسؤولين اشتروا أحكاماً، وسجنوا خصوماً، وابتلعوا مواريث عائلات كاملة.
سألته ليان: «وأبي؟»
قال يوسف: «والدك رمم اللوحة واكتشف الخريطة. رفض تسليمها. فحوّلوه إلى مزور.»
شعرت ليان أن الأرض القديمة التي وقفت عليها سنوات كانت ورقة رقيقة فوق حفرة. أرادت أن تبكي، لكن الوقت كان مطارداً. قادهم يوسف إلى حي «السنابل»، حيث تسكن أم ليان وأختها الصغرى مريم في شقة متواضعة. رفضت ليان الذهاب أولاً، لكنها أدركت أن العصابة ستصل إلى عائلتها.
وجدوا الباب مفتوحاً، والمطبخ مقلوباً، وعلى الثلاجة ملصق صغير بختم الزعفران. كان الختم ذاته الذي رأته على الملف الأحمر.
خرجت أمها من الغرفة وهي ترتجف: «أخذوا مريم.»
انكسر شيء في ليان. لم تعد موظفة متهمة ولا ابنة رجل مظلوم. صارت أختاً تبحث عن نصف قلبها. ترك الخاطفون هاتف مريم مشغلاً برسالة صوتية: «الدفتر مقابل البنت. منتصف الليل. مخزن الجمارك رقم 19.»
رامز، الذي كان دائماً يحسب المخاطر قبل التنفس، قال: «هذا فخ واضح.»
صرخت ليان: «وأختي ليست نظرية قانونية!»
تدخلت أمها بصوت خافت: «أبوك مات لأنه وثق برجل وعده بالحماية. لا تجعلي الحب الجديد يشبه الخيانة القديمة.»
تجمد رامز. كلمة «الحب» ظهرت في الغرفة كنافذة مفتوحة في حريق. لم ينفِ. وليان لم تسأل.
قرروا الذهاب، لكن يوسف كشف ورقة أخيرة: زعيم العصابة ليس مهرباً عادياً، بل «سليم الجارحي»، وريث العائلة المالكة للوحة، ورئيس مجلس إدارة شركة أمانة الشرق من خلف الستار. كان يستخدم التأمين لنقل الأعمال الفنية، والمحاكم لتصفية من يقترب من الدفتر، والإعلام لصناعة مذنب جاهز.
أما نادين الحفار، فلم تكن مجرد صحفية طموحة. كانت ابنة قاضٍ مذكور في الدفتر. فضيحة الدفتر ستدفن عائلتها، لذلك كانت تصنع الحقيقة البديلة حلقة بعد حلقة.
قبل منتصف الليل، تسلل الثلاثة إلى مخزن الجمارك. وجدوا مريم مربوطة تحت ضوء أصفر، وبجانبها صندوق اللوحة. خرج سليم الجارحي من الظلام بملابس بسيطة، كأنه رجل جاء لشراء قهوة لا لابتلاع حياة.
قال لليان: «أبوك كان عنيداً. لا تكوني نسخة أقل حظاً.»
ردت: «أبي مات واقفاً. أنت تعيش راكعاً لخوفك.»
ضحك سليم وأشار إلى رجاله. في اللحظة نفسها، وجهت نادين كاميرتها نحو ليان، مستعدة لبث مشهد اعتراف مفبرك. لكن رامز تقدم خطوة، وفتح سترته ليكشف جهاز بث صغيراً موصولاً بمنصة مجهولة.
قال: «هذه المرة، لن تختاروا زاوية التصوير وحدكم.»