في الطابق السابع والثلاثين من برج «النورس» الزجاجي، كانت ليان مراد تحفظ أصوات المكاتب كما يحفظ العازف مفاتيح البيانو: رنة هاتف قسم المطالبات، طابعة الإدارة القانونية حين تغضب، وضحكة رامز السقا، المدير التنفيذي الجديد، حين يرفض طلباً بابتسامة مهذبة تشبه توقيع حكم بالإعدام.
عملت ليان في أرشيف شركة «أمانة الشرق» للتأمين الفني، حيث تُحفظ ملفات اللوحات والمجوهرات والآثار الخاصة بأغنى عائلات المدينة. لم تكن مهمة براقة، لكنها كانت مثالية لامرأة قررت منذ خمس سنوات ألا يلاحظها أحد. كانت تأتي قبل الجميع، ترتب الملفات حسب الرموز، تترك كوب قهوتها بلا سكر، وتغادر حين يصير الزجاج أسود يعكس وجهها المتعب.
في صباح الثلاثاء، دخل رامز إلى الأرشيف من دون موعد. كان يرتدي بدلة رمادية، ويحمل ملفاً أحمر مختوماً بختم الزعفران، وهو ختم لا يُفتح إلا بحضور عضو من مجلس الإدارة.
قال ببرود: «أحتاج ملف لوحة السيدة ذات الوشاح الكهرماني. الليلة.»
رفعت ليان عينيها. «هذا الملف محجوب بأمر المحكمة.»
ابتسم. «وأنا معي أمر أعلى من المحكمة: عميل يدفع أقساطاً تساوي رواتب الطابق كله.»
لم تُجب. فتحت النظام، ثم توقفت. على الشاشة ظهرت ملاحظة غريبة: تم سحب الملف قبل عشر دقائق بتوقيعها الإلكتروني.
تجمدت أصابعها. «مستحيل.»
مال رامز فوق المكتب. «ما المستحيل؟»
قبل أن تشرح، انقطع التيار للحظة. انطفأت المصابيح، وارتج البرج كما لو أن البحر ضرب أساساته. عادت الكهرباء، لكن إنذار الطوارئ دوّى. في الممر، صرخ موظف الأمن: «غرفة الخزائن مفتوحة!»
ركض الجميع. داخل الخزينة الخاصة، كان صندوق اللوحة النادرة فارغاً، وعلى الزجاج آثار قفاز، وبجانبها بطاقة دخول ليان.
لم ينظر إليها أحد كموظفة هادئة بعد ذلك. صار كل وجه في المكتب مرآة اتهام. حتى رامز، الذي كان يميل دائماً إلى السخرية لا الصدمة، قال بصوت منخفض: «قولي لي إن لديك تفسيراً.»
همست: «لدي خوف فقط.»
في تلك اللحظة وصل ضابطان، ومعهما امرأة تحمل كاميرا صغيرة وشارة منصة تحقيقات شهيرة. اسمها نادين الحفار، صحفية قضائية تصنع من القضايا مسلسلات يومية يتابعها الملايين. وجهت عدستها نحو ليان وسألت: «هل سرقتِ اللوحة لتنتقمي من عائلة الجارحي التي سجنت والدك؟»
تراجع رامز خطوة. لم تكن ليان قد أخبرت أحداً أن والدها مات في السجن متهماً بتزوير لوحة قبل سنوات.
وقبل أن تُكبّل، انحنى رامز قرب أذنها وقال: «إذا كنتِ بريئة، فلا تثقي بالمحكمة ولا بالكاميرا. ثقي بمن سرق منكِ التوقيع.»
ثم فعل شيئاً لم تتوقعه: سحب بطاقة محاميه القديمة من جيبه، ووضعها في يدها كمن يضع سكيناً صغيرة في الظلام.