كان سوق النحاس قبل الفجر يشبه مسرحاً بعد نهاية العرض: مصابيح صفراء، أبواب نصف مغلقة، ورائحة معدن بارد. سارت ليان وسامر بين الأزقة حتى سمعا صفيراً قصيراً. من خلف دكان يبيع مرايا قديمة خرج رجل نحيل، شامة فوق حاجبه، وابتسامة من يعرف أن الذنب لا يشيخ.
قال: «ليان بنت عادل منصور. تشبهين غضبه.»
اندفعت نحوه: «أبي مات بسببك؟»
رفع يديه. «أبوك مات لأنه رفض بيع ذاكرة لا تخص أحداً وحده. وأنا... كنت جباناً بما يكفي لأهرب.»
أدخلهم إلى قبو تحت الدكان. على الجدران خرائط لمرافئ، صور مزادات سرية، وأسماء شركات وهمية. شرح نادر أن «ختم العقيق» ليس زينة على مخطوطة، بل مفتاح شفرة مخفية تكشف سجل تهريب لسنوات: أسماء قضاة، رجال أعمال، ضباط جمارك، ومدير شركة رِواق نفسه. المخطوطة الأصلية لم تُسرق الآن؛ لقد استُبدلت قبل سنوات بنسخة بارعة. وما اختفى من الخزنة هو النسخة التي تحمل الختم المزيف، أما الأصل فمخبأ منذ الحريق.
سألت ليان: «أين؟»
تردد نادر، ثم قال: «في حنّونيا. تحت أرضية المستودع الذي احترق. أبوك خبأه هناك قبل أن يُحاصر.»
اعترض سامر: «المكان منطقة عسكرية قديمة وممنوع الدخول. والمهربون يراقبونه.»
ابتسم نادر بمرارة: «لهذا جئت إليكما. وحدي أموت، وحدكما تُعتقلان. معاً ربما نخرج بشيء يصلح للحكم.»
قبل أن يرد أحد، انفجر باب القبو. رجال ملثمون اقتحموا المكان. انطفأت المصابيح، وتعالت صرخة نادر: «المرايا!»
فهم سامر بسرعة. دفع رف المرايا، فانعكست أضواء كشافات المهاجمين في كل اتجاه، وارتبكوا. أمسكت ليان بقطعة نحاس حادة وضربت يد رجل حاول الإمساك بها. هرب الثلاثة عبر نفق تصريف قديم إلى زقاق خلفي.
لكن عند المخرج كان يزن، أخو ليان، واقفاً ووجهه شاحب. صاح: «قالوا لي إنهم سيتركون أمي إن جئت بكِ!»
ظهر المدير العام لشركة رِواق خلفه، يصفق ببطء. «العائلة دائماً أقصر طريق إلى الحقيقة.»
أمسك أحد رجاله بيزن. تجمدت ليان. قال المدير: «أحضري الأصل من حنّونيا قبل شروق الغد، وإلا سيعترف أخوك على الهواء أنك خططتِ لكل شيء.»
ثم تركهم ورحل، تاركاً هاتفاً عليه عدّاد يتناقص: ثماني عشرة ساعة.