تحول التحقيق إلى مسلسل يومي تتغذى عليه المدينة. مذيعون يتحدثون عن «الخيانة من الداخل»، ومؤثرون يقارنون بين وجه ليان الهادئ و«برودة اللصوص المحترفين». أمها أغلقت باب البيت على الصحافيين، وأخوها الصغير يزن طُرد من مباراة مدرسته لأن زملاءه صاحوا: «أختك سارقة التاريخ!»
في أول جلسة، دخلت ليان قاعة المحكمة بثوب رمادي، ووجدت سامر على مقعد الدفاع. ظنت أنه جاء شاهداً ضدها، لكنه نهض وقال للقاضي: «أنا أمثل المتهمة.»
كادت تضحك من فرط الغضب. همست له: «لماذا؟ كي تتأكد أنني أسقط بأناقة؟» قال دون أن يلتفت: «لأن الدقيقة البيضاء حقيقية.»
كان يقصد دقيقة مفقودة من تسجيل الكاميرا، دقيقة محذوفة بدقة أعلى من قدرات موظف عادي. عرض سامر تقريراً فنياً يثبت أن نظام الخزنة تعرض لاختراق داخلي، لكن الادعاء ردّ بقنبلة: وُجد في حساب ليان تحويل مالي غامض باسم شركة في ميناء بعيد.
ارتجفت ليان. لم تر ذلك الحساب من قبل، لكن اسم الشركة أصابها كلسعة: «حنّونيا للشحن». كان اسم المكان الذي مات فيه والدها قبل خمس سنوات، حين احترق مستودع قديم قيل إنه يضم أثاثاً مستعملاً. يومها عادوا لها بساعة يد محترقة وقالوا: «حادث عرضي.»
بعد الجلسة، سحبها سامر إلى ممر جانبي. قال: «والدك لم يكن حارس مستودع كما ظننتِ. كان يحقق في تهريب قطع تراثية عبر حنّونيا.»
صفعته. الصوت ارتطم بالرخام. «وتقولها الآن؟»
لم يدافع عن نفسه. أخرج من جيبه نسخة صورة قديمة: والدها يقف بجانب رجل نحيل له شامة فوق حاجبه، وأمامه صندوق يحمل الرمز نفسه المحفور على ختم العقيق. قال سامر: «كنت أبحث عن هذا الرجل منذ عام. اسمه نادر القفّاص. مزوّر سابق، اختفى بعد حريق حنّونيا. إذا وجدناه، نعرف من سرق المخطوطة ومن قتل الحقيقة.»
في تلك اللحظة وصلت رسالة إلى هاتف ليان من رقم مجهول: «إذا أردتِ تبرئة اسمك، تعالي وحدك إلى سوق النحاس قبل الفجر. ولا تثقي بالمحامي الذي يحبك أكثر مما يعترف.»
نظرت إلى سامر، فوجدته قرأ الرسالة من انعكاس الزجاج. لم يسألها إن كانت ستذهب. قال فقط: «لن تذهبي وحدك.»