لم تكن ليان منصور تعرف أن صباح الثلاثاء سيقلب اسمها من موظفة أرشيف في شركة التأمين الثقافي «رِواق» إلى عنوان عريض على الشاشات: «حارسة المخطوطات تسرق ختم العقيق».
بدأ الأمر عادياً إلى حد الإهانة. كوب قهوة بلا سكر، مصعد يتوقف في الطابق السابع، وابتسامة زميلها سامر التي كانت تتفاداها منذ سنة لأنها تخشى أن يقرأ في عينيها ما تنكره بلسانها. سامر لم يكن مجرد زميل؛ كان المستشار القانوني للشركة، رجلاً يعرف كيف يجعل الصمت يبدو حكماً نهائياً. وحين مر بجانب مكتبها قال بنبرة خافتة: «اجتماع طارئ في القاعة الزجاجية. لا تتأخري.»
في القاعة كان المدير العام يقف أمام شاشة تعرض صورة مخطوطة أندلسية صغيرة، على غلافها ختم عقيق أحمر نادر. قال بصوت مرتجف محسوب: «المخطوطة اختفت من الخزنة. آخر بصمة دخول مسجلة باسم ليان منصور.»
التفتت الوجوه نحوها دفعة واحدة. شعرت أن الهواء انكمش. رفعت يدها كمن يدفع جداراً غير مرئي: «لم أدخل الخزنة بعد السادسة. النظام يعرف ذلك.»
لكن النظام، كما عرضوه، كان يعرف شيئاً آخر: بطاقة ليان، بصمتها، ولقطة كاميرا مشوشة لامرأة بقامتها تخرج بحقيبة جلدية. سامر لم ينظر إليها. ظل يحدق في الشاشة كأنه يبحث عن خلل في حافة الضوء. ذلك آلمها أكثر من الاتهام.
بعد ساعة وصلت الشرطة. وقبل أن يضع الضابط يده على الباب، انحنت عاملة التنظيف العجوز، أم حسن، قرب آلة القهوة وهمست لليان: «لا تخافي من الكاميرا يا بنتي. خافي من اللي حذف الدقيقة البيضاء.» ثم دسّت في كفها ورقة صغيرة.
في السيارة، وهي بين شرطيين، فتحت ليان الورقة بارتجاف. لم يكن فيها إلا جملة واحدة: «الختم ليس في المخطوطة... المخطوطة هي الختم.»
رفعت رأسها إلى زجاج النافذة، فرأت سامر واقفاً أمام مدخل الشركة، هاتفه على أذنه، ووجهه للمرة الأولى بلا قناع. كان خائفاً. منها؟ عليها؟ أم من شيء يعرفه ولا يستطيع قوله؟