هربا من البرج عبر درج الخدمة، لا كحبيبين في رواية مكتبية، بل كشخصين يتبادلان الشك مع كل درجة. في القبو الثالث، فتح يامن بابًا معدنيًا يقود إلى ممر قديم تحت وسط القاهرة، بُني أيام كانت البنوك تخشى الحرائق أكثر من الفضائح. كان الهواء رطبًا والجدران مغطاة بأرقام خزائن منسية.
قالت ليان وهي تلهث: «مدير تنفيذي يعرف الأنفاق السرية؟ هذا لا يطمئن.»
أجاب: «ومحللة امتثال تعرف تزوير الشركات في ثلاث قارات لا تبدو بريئة جدًا.»
لم تستطع كتم ابتسامة سريعة، ثم عادت جادة. «لا تخلط الذكاء بالذنب.»
وصلا إلى غرفة أرشيف تحت الأرض. شغل يامن مصباحًا أصفر، فظهرت صناديق تحمل أسماء مشاريع قديمة. من بينها صندوق مكتوب عليه «حنين ـ برنامج الإيواء البحري». فتحت ليان الصندوق بيد مرتجفة. وجدت قوائم أسماء: نساء وأطفال من عائلات فقيرة، نُقلوا إلى الجزيرة بحجة العمل في مصنع تعليب، ثم اختفت سجلاتهم. في الهامش توقيع مؤسسة السُّندس.
قالت بصدمة: «هذه ليست غسلا للأموال فقط. هذه شبكة احتجاز.»
بين الأوراق وجدت شريط تسجيل صغيرًا. شغله يامن على جهاز قديم. جاء صوت والده متعبًا: «إذا سمع أحدكم هذا، فاعلموا أنني لم أمت بحادث قلب. دولت حولت الجزيرة إلى سجن عمالة، واستعملت الختم لتمرير التمويلات. الشاهد الوحيد نادر حامد. حاولت تهريبه، لكنهم سبقوني. الخزانة البيضاء ليست مكانًا، بل شخص.»
انقطع الصوت.
نظرت ليان إلى يامن. «شخص؟ من؟»
قبل أن يجيب، سُمع صرير من الممر. أُطفئ الضوء. أمسك يامن يدها وسحبها خلف الرفوف. دخل رجلان يحملان مصابيح وسلاحين كاتمين للصوت. أحدهما قال: «دولت لا تريد قتل الفتاة هنا. تريدها أن تصل إلى المرفأ. الطُعم لا ينفع إذا مات في القبو.»
حبست ليان أنفاسها. الطُعم. إذًا كانوا يريدونها أن تقودهم إلى شيء. أو إلى شخص.
عند محاولة الخروج، انزلقت قدمها فأحدثت صوتًا. التفت الرجلان، وانطلقت مطاردة بين الصناديق. دفع يامن رفًا حديديًا فسقط وعطل أحدهما، بينما قذفت ليان جهاز التسجيل في وجه الآخر. ركضا حتى بلغا فتحة صرف تنتهي بزقاق خلفي.
خارج الممر، تحت مطر مفاجئ، لم يترك يامن يدها. لاحظت ذلك، ولاحظ هو أنها لم تسحبها. قال بصوت منخفض: «أعرف أنك لا تثقين بي.»
قالت: «صحيح.»
«لكنني سأثبت لك أنني لست أبي ولا عمتي.»
نظرت إلى عينيه المتعبتين. «وأنا سأثبت لك أن أخي ليس شاهدًا ميتًا في ملف.»
رن هاتف ليان مرة أخرى: «المرفأ الشرقي. منتصف الليل. تعالي وحدك إن أردت سماع صوته.»
ثم وصل تسجيل صوتي قصير. صوت رجل مبحوح يقول: «ليان... لا تثقي بالياقوتة.»
كان صوت نادر.