لم تكن ليان حامد تؤمن بالصدف، خصوصًا في الطابق السابع والثلاثين من برج «نُوران» المالي، حيث تُقاس الأنفاس بعدد الأسهم وتُوزن الابتسامات بسعر الفائدة. كانت تعمل محللة امتثال في شركة «المرآة للاستثمار»، وظيفة تجعلها ترى كل شيء ولا يراها أحد: توقيع زائد هنا، تحويل غامض هناك، شركة واجهة تختبئ خلف اسم وردي بريء.
في صباح الخميس، دخلت ليان المصعد وهي تحمل ملفًا أزرق عليه ختم داخلي: «سري ـ لجنة المخاطر». قبل أن تضغط زر الطابق الأربعين، اندفع إلى الداخل يامن الصاوي، المدير التنفيذي الجديد، ببدلته الداكنة ونظرته التي تشبه باب خزنة مغلق. كان مشهورًا بأنه لا يثق بأحد، ومكروهًا لأنه يبتسم فقط عندما يخسر خصمه.
قال دون أن ينظر إليها: «الملف الذي معك ليس من صلاحياتك.»
أجابته بهدوء: «بل من صلاحياتي إذا كان يحتوي على تحويلات إلى مؤسسة لا وجود لها.»
التفت إليها للمرة الأولى. في عينيه لمعة غضب، أو خوف، لم تميز. توقف المصعد فجأة بين الطابقين التاسع والثلاثين والأربعين، وانطفأ نصف الضوء. رن هاتف ليان برسالة مجهولة: «إذا سلمتِ الملف، سيُدفن أخوكِ مرة ثانية.»
تجمدت أصابعها. أخوها نادر لم يكن مدفونًا، بل اختفى قبل خمس سنوات في حادث عبّارة قرب أرخبيل مهجور اسمه «حنين»، ولم يُعثر على جثته. كانت أمها كل مساء تضع له طبقًا زائدًا على السفرة وتقول: «الغائب جائع أكثر من الميت.»
مد يامن يده نحو الملف. «أعطيني إياه.»
احتضنته ليان إلى صدرها. «أولًا أخبرني: لماذا يظهر توقيع والدك المتوفى على تحويل تم البارحة؟»
قبل أن يجيب، عاد المصعد للحركة بعنف. وعندما فتح بابه في الطابق الأربعين، كان بانتظارهما فريق الأمن الداخلي، ورئيس المجلس، وامرأة تلبس عقدًا من الياقوت الأحمر. أشارت إلى ليان وقالت: «هي من سرقت ختم الرئيس الراحل.»
في تلك اللحظة فهمت ليان أن الملف لم يكن دليلًا فقط، بل فخًا كاملًا، وأن الرجل الوحيد الذي رأى الرسالة معها هو الرجل الذي قد يكون عدوها أو شاهدها الوحيد.