كان «بيت الحنهون» اسماً ساخراً يطلقه أهل المدينة على مجمع سكني مهجور عند أطراف الميناء، تحوّل بعد سنوات من الإهمال إلى متاهة من الجدران الرطبة والممرات المكسورة. هناك وصل آخر بث من هاتف أم ليان قبل اختفائها. لم تنتظر ليان موافقة الشركة ولا الشرطة. أخذت نسخة من المفاتيح القديمة من درج والدها، وخرجت من الباب الخلفي حيث كان آدم ينتظر بسيارته كأنه توقع فعلتها.
قالت بحدة: «تتبعني؟»
«أمنعك من الموت بطريقة غبية.»
«هذه عناية رومانسية جداً.»
«لا تفرحي. أنا أفعل ذلك لحماية التحقيق.»
لكن حين فتح لها باب السيارة، لم يبدُ كمن يحمي تحقيقاً فقط.
في الطريق، أخبرته ليان بما لم تقله لأحد: قبل موت والدها بأسبوع، أعطاها سواراً قديماً وقال: «إذا حدث لي شيء، لا تبحثي عن قاتلي. ابحثي عن المرأة التي بلا وجه.» ضحكت يومها وظنتها إحدى استعاراته القضائية. الآن، صارت العبارة خنجراً في الذاكرة.
وصلا إلى المجمع عند منتصف الليل. الريح تصفر في الشبابيك المحطمة. في الداخل، وجدا علامات حديثة: علب طعام، أسلاك كاميرات، وأرضاً مغسولة أكثر من اللازم. في الطابق السفلي، خلف باب حديدي، سمعا صوت امرأة تتلو آيات بصوت مرتجف. كانت أم ليان، سامية، مقيدة إلى كرسي، وعلى فمها شريط لاصق.
ركضت ليان نحوها، لكن آدم أمسكها من ذراعها في اللحظة الأخيرة. خيط رفيع ممتد عند المدخل كان موصولاً بقنبلة صوتية. قطعه آدم بسكين صغيرة، ثم حرر سامية.
همست الأم: «ندى معهم… ليس باختيارها. أخذوها لأنها أصلحت اللوحة قبل عام، ورأت ما تحت الطلاء.»
قالت ليان: «ما الذي تحت الطلاء؟»
ارتعشت سامية. «وجه امرأة. أخت جابر النحال. واسمها الحقيقي… رنا السامر.»
التفتت ليان نحو آدم. تغير وجهه كأن الاسم ضربه من الداخل. قال بصوت منخفض: «رنا السامر كانت عمتي. قيل لنا إنها ماتت في حادث بحر.»
ضحكت سامية بمرارة. «لم تمت. كانت شاهدة على أكبر شبكة تزوير أحكام في البلد. مروان، والد ليان، حاول حمايتها. وجابر باعها. أما الحكم الذي لم يُنطق، فهو قرار إدانة رجال ما زالوا يديرون شركات ومزادات ومحاكم من خلف الستار.»
قبل أن يكملوا، انفتح مكبر صوت في السقف، وجاء صوت رجل هادئ كأنه يقرأ نشرة طقس: «عائلة الحداد وآخر أبناء السامر في مكان واحد. هذا أكثر مما تمنيت.»
عرفت سامية الصوت فوراً: «جابر.»
أُغلقت الأبواب الحديدية آلياً، وبدأ الدخان يتسرب إلى الممر. كان بيت الحنهون فخاً، لا مخبأ. أمسك آدم بيد ليان، لا كخصم ولا كمحقق، بل كرجل أدرك أن مصيره صار مربوطاً بمصيرها.
قال: «هل تثقين بي؟»
قالت وهي تسعل: «هذا أسوأ توقيت للسؤال.»
«إجابة مختصرة.»
ضغطت على يده. «نعم.»
قادهم عبر ممر خدمة ضيق، لكن عند المخرج الخلفي ظهر ثلاثة رجال ملثمين. اشتبك آدم مع الأول، ورمت ليان مصباحاً معدنياً على الثاني، بينما سامية دفعت الثالث بعكاز قديم وجدته على الأرض. خرجوا إلى المطر، لكن سيارة سوداء انطلقت أمامهم، وفي المقعد الخلفي ظهرت ندى لثانية واحدة، ووجهها ملطخ بدم خفيف، قبل أن تختفي السيارة في الظلام.
تركت السيارة وراءها ظرفاً أبيض. داخله دعوة إلى حفل إطلاق معرض خاص في فندق فاخر، بعنوان: «الوجوه التي لا تموت». وعلى بطاقة الدعوة، كُتبت جملة بخط أحمر: «أحضري السوار، وإلا تُعلّق أختك بدل اللوحة.»