لم تكن ليان الحداد تؤمن بالصدف، خصوصاً في الطابق السابع من برج «سما الزجاج»، حيث تُحفظ ملفات التأمين على اللوحات والمجوهرات والقطع التي لا يعرف العامة أسماءها إلا حين تُسرق أو تُباع في مزاد فاحش. كانت تعمل مديرة أرشيف رقمي في شركة «مرآة الضمان»، وهي وظيفة تبدو مملة لمن لا يعرف أن ورقة واحدة مفقودة قد تغيّر ملكية متحف، وأن توقيعاً ممسوحاً قد يحوّل وريثاً إلى لص.
في ذلك الصباح، دخلت ليان المصعد ومعها قهوة مرة وذاكرة أكثر مرارة. في الطابق الرابع، توقف المصعد ودخل آدم السامر، مدير التحقيقات الجديد، الرجل الذي وصل قبل شهرين من مكتب الشركة في الدوحة، ومعه سمعة متضخمة: لا يخسر ملفاً، لا يبتسم إلا عند اكتشاف خطأ، ولا يعتذر حتى لو كان الخطأ في الطقس.
قال وهو ينظر إلى بطاقة الدخول في يدها: «تأخرتِ سبع دقائق. ملف مزاد بيروت ينتظر.»
ردت دون أن ترفع عينيها: «والملفات لا تموت من الانتظار. البشر فقط يفعلون.»
ابتسم نصف ابتسامة. كان يعرف أن ليان لا تخاف منه. وهذا، لسبب ما، كان يضايقه ويجذبه في الوقت نفسه.
في غرفة الاجتماعات، عُرضت صورة لوحة صغيرة اسمها «السيدة ذات الخاتم الأحمر»، بورتريه قديم لامرأة مجهولة تحمل بين أصابعها ياقوتة كقطرة دم. اللوحة مؤمّنة بمبلغ ضخم، وقد اختفت من قبو خاص قبل ثلاثة أيام، ثم ظهر ملف رقمي يؤكد أن مالكها تنازل عنها منذ عشر سنوات. الملف يحمل ختم محكمة قديم، وتوقيع موثق، ومسار أرشفة لا يمر إلا عبر حساب ليان.
نظر المدير العام إلى ليان كمن ينظر إلى عيب في زجاج نظيف. قال: «إما أن هناك اختراقاً من حسابك، أو أنكِ جزء من العملية.»
سقطت القهوة من يدها على الأرض. لم تخف من الاتهام بقدر ما خافت من اسم المالك القديم للوحة: مروان الحداد، والدها الراحل، القاضي الذي مات قبل عام في حادث قيل إنه بسيط، لكنها لم تصدقه يوماً.
آدم، الذي كان يقف قرب الشاشة، لاحظ ارتجافة يدها. قال بهدوء بارد: «سأقود التحقيق الداخلي. وحتى إشعار آخر، لا تغادرين الشركة ولا تصلين إلى الأرشيف وحدك.»
اقتربت منه وهمست: «إذا كنت تظن أنني سأكون فريسة سهلة، فأنت لم تقرأ ملفي جيداً.»
رد بصوت لا يسمعه غيرها: «قرأت ملفك. المشكلة أن جزءاً منه اختفى الليلة الماضية.»
عندها فهمت ليان أن الاتهام ليس بداية الكارثة، بل نهاية مرحلة طويلة من الفخاخ. وعلى شاشة القاعة، كبر الختم القضائي المزور، فظهر في طرفه رمز صغير لا يعرفه إلا القضاة القدامى: ختم الياقوت، علامة تُستخدم للملفات التي لا ينبغي فتحها قبل وفاة صاحبها.
وكان صاحبها والدها.