لم تكن «حنهونية» موجودة على أي خريطة حديثة. بحثت ليان عنها طوال الليل في الأرشيفات الرقمية، فوجدت إشارة قديمة إلى مستودعات ملح مهجورة قرب الساحل، استُخدمت قبل عقود كمركز احتجاز غير رسمي للمهرّبين. أما آدم، فقد كان يعرف الاسم قبل أن تنطقه. رأته ليان يشيح بوجهه لحظة ظهوره في نتائج البحث.
قالت له في غرفة الأرشيف: «أنت تخفي شيئاً.» أجاب: «وأنتِ تتصرفين كأن الحقيقة ملك لعائلتك وحدها.» صفعته الجملة بصمتها. لم تصفعه بيدها، لكنها أغلقت الحاسوب بعنف. «أمي ماتت بسبب الحقيقة. على الأقل دفعت ثمنها.»
تنهد آدم، ثم أخرج من جيبه بطاقة قديمة عليها ختم أزرق يشبه ختم الملف. «أخي الأصغر، ياسر، كان يعمل حارساً في حنهونية. أخبرني أن المكان لم يُغلق أبداً. قبل عام اختفى. جئت إلى أطلس لأن كل الطرق تقود إلى شحناتكم.»
كانت تلك أول شقوق الجدار بينهما. لم تعد ليان ترى المدير الذي فرض نفسه على الطابق، بل رجلاً يطارد أخاه في ممرات لا تصلها الشمس. اتفقا على حضور المزاد الخيري، ليس كزميلين، بل كشريكين اضطراريين. الخطة بسيطة: تتسلل ليان إلى غرفة التوثيق وتنسخ سجلات اللوحة، بينما يشغل آدم رئيس مجلس الإدارة، نادر الشوبكي، الرجل الذي بنى ثروته من تأمين الجمال ضد السرقة ثم سرق الجمال نفسه.
في قاعة المزاد، اختلط العطر بالخوف. وجوه لامعة، كاميرات، موسيقى هادئة، وامرأة غامضة ترتدي قفازين أسودين تُدعى رانيا درويش، تاجرة تحف لا تشتري شيئاً إلا إذا كان وراءه دم. عندما عُرضت لوحة المرأة ذات الوشاح الفضي، رفعت رانيا يدها قبل أن يعلن الدلال السعر. قالت بصوت واضح: «أربعون مليوناً، ومعها الصمت.»
في الخلف، وجدت ليان في غرفة التوثيق صندوقاً معدنياً يحتوي على صور شحنات أخرى، كلها تحمل الختم الأزرق نفسه. بين الصور، رأت وجه أختها الصغيرة ندى، التي تعمل ممرضة في عيادة خيرية. كانت الصورة ملتقطة سراً أمام باب العيادة، وعلى ظهرها عبارة: «الأخت أولاً، ثم الأم الثانية.»
فهمت التهديد. فريدة ماتت، والآن جاء دور ندى. قبل أن تخرج، أغلق الباب خلفها رجل ضخم من عصابة تُسمى «الممحاة»، جماعة متخصصة في حذف الشهود لا في قتلهم فقط. قال لها: «الملفات لا تحب الفضوليين.»
في القاعة، رأى آدم إشارة الخطر على هاتفه. ترك نادر وسط حديثه وانطلق. وجد الباب مقفلاً، فحطم الزجاج بكرسي. اندفع إلى الداخل قبل أن يطعن الرجل ليان. تشابكا بعنف، وسقط الختم الأزرق من جيب المهاجم: قرص معدني صغير عليه حرفان، ح ن.
بعد هروبهما من باب الخدمة، قالت ليان وهي تضغط على جرح في ذراع آدم: «لماذا أنقذتني؟» ضحك رغم الألم: «لأنكِ الوحيدة التي تستطيعين قراءة النقاط داخل الحروف.» لم تضحك، لكنها لم تسحب يدها من يده حتى وصلا إلى السيارة. وخلفهما، بيعت اللوحة بمبلغ لم يعلنه أحد، لأن الثمن الحقيقي كان قد بدأ للتو.