في الطابق السابع والثلاثين من برج «المنارة»، كانت ليان مراد تعرف صوت الطابعة حين تكذب. لم يكن ذلك مجازاً؛ فملفات العقود المزورة تأتي دائماً بنبرة حبر أثقل، وتوقيعاتها تُطبع كأنها تتردد. عملت ليان مدققة امتثال في شركة «أفق الشحن الثقافي»، وهي شركة تبدو للناس كجسر حضاري ينقل المعارض والتحف بين العواصم، لكنها في الداخل متاهة من خزائن ورموز مرور وابتسامات لا تصل إلى العين.
في صباح الاثنين، دخل المدير التنفيذي الجديد، آدم صبّاغ، إلى قاعة الاجتماعات ببدلة رمادية وصمتٍ مدروس. قالوا إنه جاء من لندن لينقذ الشركة من فضيحة تأخير شحنة متحف وطني، وقالت الموظفات إنه يبتسم كمن يعتذر عن كونه خطيراً. أما ليان، فكتبت في دفترها: «رجل يعرف أين يضع يديه حين يخفي شيئاً».
تسلّمت ليان ملفاً عاجلاً يحمل ختم «سري للغاية»: شحنة باسم «مجموعة زجاجية تعليمية» متجهة إلى مزاد خاص في ميناء الجونة الحرة. الرقم الجمركي صحيح، الأوراق صحيحة، لكن وزن الصندوق يزيد سبعة كيلوغرامات عن التصريح. وحين فتحت النسخة المشفرة من الفاتورة، وجدت اسماً مطموساً يظهر تحت الضوء الأزرق: «ختم اللازورد».
كانت تلك العبارة تعني الكثير لأسرتها. قبل اثني عشر عاماً، اتُهم والدها، الحارس الليلي في متحف القصبة، بسرقة لوحة صغيرة تُظهر امرأة ترفع حجر لازورد أمام نافذة بحرية. اختفت اللوحة، وسُجن والدها، ومات بعد خروجه بستة أشهر وهو يردد: «لم أسرقها، رأيت الختم فقط». يومها تحولت ليان من فتاة تحب الرسم إلى امرأة تؤمن بأن كل عاطفة ثغرة أمنية.
دخل آدم مكتبها بلا موعد. وضع كوب قهوة على حافة الطاولة وقال: «سمعت أنك لا توقعين إلا بعد أن تشكي في الجميع».
ردت دون أن ترفع عينيها: «وهذا سبب بقائي في العمل».
ابتسم: «إذن وقّعي على شحنة الجونة. المجلس يريد خروجها الليلة».
رفعت الملف بينهما. «الوزن لا يطابق. والوصف لا يطابق. وهناك اسم لا يجب أن يكون هنا».
تبدلت ابتسامته لحظة واحدة، كستارة انزاحت خلفها عتمة. «بعض الأسماء تقتل أصحابها يا ليان».
قالت: «وبعض الصمت يدفن الأبرياء».
في تلك اللحظة وصلتها رسالة من رقم مجهول: «إذا خرج الصندوق الليلة، سيُحكم على أخيك كما حُكم على أبيك. انزلي إلى الأرشيف قبل السادسة».
كان أخوها سامر يعمل سائقاً للشركة، بسيطاً، سريع الضحك، وعالقاً دائماً في ديون أمهما العلاجية. لم يكن يعرف شيئاً عن اللوحات أو الأختام. ومع ذلك، حين اتصلت به، جاءها صوته مرتجفاً: «ليان… في رجال سألوا عني. قالوا إنهم وجدوا بصماتي على صندوق ما لم ألمسه».
نظرت إلى آدم، فوجدته يراقب وجهها لا الملف. قال بهدوء: «لا تنزلي إلى الأرشيف وحدك».
سألته: «أهذا تهديد أم نصيحة؟»
أجاب: «اعتبريه أول شيء صادق أقوله لك اليوم».