في شركة «نخلة الشمال للاستشارات»، كان الطابق السابع يضيء بعد منتصف الليل كما لو أنه نهار صغير معلّق فوق القاهرة. لم تكن ليلى حمدان تحب الضوء الأبيض البارد، لكنه كان أقل قسوة من ظلام بيتها حين تتذكر أن أمها لا ترد على الهاتف، وأن أختها سارة اختفت منذ ثلاثة أسابيع بعد سفرها التطوعي إلى واحة «حجر النعاس» على حدود الصحراء.
كانت ليلى مدققة حسابات، لا تؤمن بالصدف ولا بالوعود العاطفية. الأرقام بالنسبة لها لا تكذب، لكنها أحيانًا تصرخ. وفي تلك الليلة صرخت الأرقام باسم غريب: «زمردة-17». فاتورة شحن بمليونين وثلاثمئة ألف دولار مقابل «أدوات إضاءة مكتبية»، موقعة من قسم لا وجود له، ومختومة بختم أخضر يشبه عين حيوان.
قبل أن تحفظ نسخة من الملف، انفتح باب المكتب الزجاجي. دخل آدم الريس، المدير التنفيذي الجديد، ببدلته الرمادية ونظرته التي تبدو هادئة أكثر مما ينبغي لرجل ظهر فجأة بعد استقالة المدير السابق بساعتين فقط.
قال: «لا أحد يبقى هنا وحده بعد الحادية عشرة.»
أغلقت ليلى الشاشة بسرعة. «إلا من لديه حسابات لا تنام.»
ابتسم آدم، لكن عينيه لم تبتسما. «الحسابات أحيانًا تقتل أصحابها.»
كان التحذير واضحًا، لكن شيئًا في صوته حمل قلقًا لا تهديدًا. وقبل أن ترد، وصلتها رسالة من رقم مجهول: «إذا أردتِ رؤية أمك وأختك، لا تثقي بالرجل ذي الخاتم الأسود.»
رفعت عينيها إلى يد آدم. كان يرتدي خاتمًا أسود، محفورًا عليه طائر صغير بلا رأس.
في تلك اللحظة انقطع التيار عن الطابق كله. اشتغل ضوء الطوارئ الأحمر، وظهر على الشاشة قبل أن تنطفئ صورة لوحة قديمة لامرأة تحمل حيوانًا أبيض ناعم الفرو، لكن الوجه لم يكن لامرأة أوروبية كما في اللوحات الشهيرة؛ كان وجه سارة، أخت ليلى، مرسومًا بدقة مرعبة، وتحت الصورة كلمة واحدة: «الشهادة».