كان جسر الملح خارج المدينة، حيث تنتهي الإنارة وتبدأ أراضٍ بيضاء كالعظام. توقفت سيارة آدم قرب حاوية شحن صدئة. نزلت ليان وهي تخفي الشريحة في بطانة حقيبتها، بينما كان آدم يمشي أمامها كمن يعرف أنه مراقب من كل الجهات. خرج من الظلام خمسة أشخاص. لم يشبهوا العصابات في الأفلام؛ لا صراخ، لا وشوم استعراضية، فقط وجوه أنهكتها الحياة حتى صارت أقنعة. في الوسط وقفت امرأة قصيرة الشعر، تحمل مسبحة سوداء. قالت: «أنا ماجدة. الناس يسموننا عصابة الماء المالح. لا نسرق الفقراء، لا نقتل من لا يرفع السكين، ولا نثق بأبناء الأبراج.» نظر آدم إليها. «أين القاضي؟» صفقت ماجدة، ففُتحت الحاوية. كان القاضي ناصر جالسًا على كرسي، مقيدًا لكن بلا جروح. رفع عينيه إلى ليان وقال: «أخيرًا وصلت ابنة سامر.» شعرت ليان أن اسم أبيها صار مفتاحًا لأبواب لا تنتهي. «لماذا يعرفني الجميع إلا أنا؟» قال القاضي: «لأن أمك دفعت عمرها كي تجهلي. الجهل كان يحميك.» تقدمت ماجدة. «الشريحة التي معك تفتح خادمًا قديمًا في حنّور. فيه تسجيلات جلسات غير قانونية، توقيعات رجال دولة، وأسماء سجناء لا وجود لهم في السجلات. نحتاجها لنخرج أخي من هناك.» قال آدم: «ونحتاجها لإثبات براءتي قبل جلسة الحكم الليلة.» ضحكت ماجدة بمرارة. «الحكم؟ يا ابن البرج، الحكم صدر منذ سنوات. البث مجرد مسرحية.» عندها، أخرج القاضي ورقة مطوية من جيبه بصعوبة. «هناك طريقة واحدة. غدًا تُنقل أرشيفات حنّور إلى موقع جديد. إذا دخلتم الليلة، ستجدون الخادم في جناح العزل. لكن الخروج أصعب من الدخول.» سألته ليان: «لماذا تساعدنا الآن؟» خفض رأسه. «لأنني كنت القاضي الذي وقّع أمر اعتقال والدك. كنت أظنني أحمي البلد من فضيحة. ثم اكتشفت أنني حميت المجرمين من البلد.» لم تكن ليان تعرف هل تصفعه أم تستخدمه. اختارت الخيار الثاني لأن الوقت لم يسمح للألم بأن يكون محترمًا. وضعت ماجدة خطة سريعة: سيارة تموين مزيفة، زيّ عاملين، دخول عبر بوابة النفايات الطبية، ثم عشر دقائق داخل جناح العزل. كل دقيقة بعد ذلك تعني الموت أو الاختفاء. قبل الانطلاق، اقترب آدم من ليان. قال بصوت منخفض: «لا أريدك أن تدخلي. تستطيعين تسليم الشريحة والهروب مع القاضي.» نظرت إليه. في وجهه رأَت تعبًا يشبه تعبها؛ شخصًا تربى على اسم عائلة صار لعنة. قالت: «طوال حياتي، هرب الآخرون بدلًا مني. الليلة سأدخل بنفسي.» لمس آدم يدها للحظة قصيرة. لم تكن قبلة، ولا وعدًا، لكنها كانت أخطر: اعتراف بأن الخوف يصبح محتملًا حين يتقاسمه اثنان. من بعيد، تحركت أضواء سيارات على الطريق. قالت ماجدة: «لقد سبقونا. أحدنا سرّب الموعد.» التفت الجميع إلى بعضهم. القاضي، العصابة، آدم، ليان. وفي الظلام، انفجرت سيارة آدم خلفهم، فارتفعت كرة نار أعلنت أن العودة إلى المدينة لم تعد خيارًا.