لم تكن ليان منصور تؤمن بالصدف، خصوصًا في الطابق السابع والثلاثين من برج زجاجي لا تفتح نوافذه إلا على انعكاس المدينة. عملها في قسم الامتثال بشركة «نوفا كود» كان يشبه السير فوق سلك رفيع: توقّع العقود، تراجع التحويلات، وتبتسم لمن يحاول إقناعها بأن الأرقام لا تكذب. لكنها كانت تعرف أن الأرقام لا تكذب فقط إذا كان من يكتبها يخاف الله. في صباح الثلاثاء، وصل بريد داخلي بعنوان: «مراجعة عاجلة — مشروع الظل». لم يكن المرسل موظفًا معروفًا، بل حسابًا مؤقتًا أنشئ قبل ثلاث دقائق. فتحت ليان الملف، فظهر جدول تحويلات إلى مؤسسة خيرية صحراوية اسمها «دار النور لإعادة التأهيل». المبالغ صغيرة بما يكفي كي لا تثير الشك، لكنها منتظمة بطريقة تشبه نبضًا مصطنعًا. في أسفل الجدول، وُضعت صورة مصغرة لقطعة فنية: امرأة ترتدي وشاحًا أزرق وتحمل حيوانًا فضيًا غريبًا بين ذراعيها. قبل أن تكبّر الصورة، انطفأ حاسوبها. رفعت رأسها فوجدت آدم رشاد، المدير التنفيذي الجديد، واقفًا أمام مكتبها. كان حضوره هادئًا أكثر مما ينبغي، كأنه يعرف ما سيحدث قبل أن يحدث. قال: «ملف خطير، يا آنسة ليان. من الأفضل ألا تفتحيه وحدك.» ردّت ببرود: «ومن الأفضل ألا يدخل المدير التنفيذي على موظفة بعد انطفاء حاسوبها بثانيتين.» ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه. «لهذا السبب أنتِ هنا.» كانت ليان قد سمعت عنه الكثير: ابن مؤسس الشركة الذي عاد من أوروبا بعد فضيحة موت غامضة لوالده، رجل يكره الصحافة، لا يصافح إلا نادرًا، ويغيّر فريق مكتبه كل شهر. أما هي، فلم تكن تبحث عن قربه. كانت تبحث عن ترقية، وعن تأمين علاج أمها، وعن طريقة تنجو بها من مدينة تبتلع الضعفاء بابتسامة. لكن حين مرّر آدم بطاقة ذاكرة صغيرة على مكتبها وقال: «إذا اختفيت الليلة، سلمي هذه للقاضي ناصر»، تغيّر الهواء بينهما. سألته: «هل تهددني أم تستنجد بي؟» قال وهو يتراجع نحو الباب: «لا فرق كبير بينهما في شركتنا.» عند الظهر، انتشر خبر داخل الشركة: آدم رشاد متهم باختلاس أموال من مشروع خيري، وجلسة استماع عاجلة ستُبث مساءً على منصة الأخبار، بعنوان مثير: «الحكم الذي انتظره المستثمرون». نظرت ليان إلى البطاقة الصغيرة في يدها، ثم إلى شاشة هاتفها حيث وصلتها رسالة مجهولة: «إن دافعتِ عنه، ستدخلين جحيم حنّور. وإن صمتِ، ستدفنين الحقيقة معه.» ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن المكتب الزجاجي ليس مكان عمل، بل قفص شفاف ينتظر أن يُغلق عليها.