الليل في الرياض لا يرحم. الريح الصحراوية تهب من الشمال، تحمل معها رملاً ناعماً يلتصق بالزجاج والفولاذ، وتجعل الأبراج في حي الملك عبدالله المالي تئن كأنها أجساد جائعة. الساعة تجاوزت منتصف الليل بساعتين. فيصل الرشيد وقف في مكتبه العلوي ببرج الرشيد، الثوب الأبيض ملتصق بجسده من العرق البارد، والهاتف المشفر يرن للمرة السابعة. لم يرد. كان يعرف من المتصل. ناصر الرشيد. الأب الذي لم ينم، والذي جلس في المجلس الكبير مع المحامين والأمراء الثانويين، ينتظر البيان الذي لم يأتِ.
قبل ساعة فقط، انتهت جلسة الضغط الأولى. ناصر أغلق الباب خلفه، وصوته كان هادئاً كالموت. «البيان لم يصدر. المستثمرون يسحبون. الأمير مشعل ينتظر. إما تتهم خالد المنصور بأنه دبّر الصورة ليدمر عقودنا، أو تقبل الخطبة السياسية التي رتبناها مع ابنة أحد الوزراء. زوجة تُغطي الفضيحة. ولاء عائلي واضح. اختر الآن». فيصل شعر بالكلمات كسكاكين. «أتهمه؟ وهو...». ناصر قطع: «هو العدو. الرغبة التي شعرت بها في الخيمة مرض. اقتلها. اتهمه. أو خذ الزوجة. وإلا أسحب اسمك من الخلافة أمام الجميع». فيصل لم يجب. خرج من المجلس، الجسد يحترق من الداخل. لم يستطع أن يقول «نعم» للاتهام. لم يستطع أن يتخيل يداً أخرى تمسك بيده غير تلك التي غاصت في شعره.
في الجانب الآخر، في برج المنصور، جلسة الضغط كانت أشد قسوة. عبدالله المنصور فتح عينيه بصعوبة، الصوت أضعف من الريح. «يا خالد... نوف أعدت البيان. تقول إن فيصل الرشيد ابتزك. أنه هو من اقترب. أنه يريد تدمير الطاقة ليفتح الطريق للتطوير. اتهمه. أو اقبل الخطبة التي عرضها الأمير مشعل: ابنة أحد الشركاء في الرؤية. امرأة تُغلق الأفواه. الولاء للعائلة أولاً». نوف وقفت أمامه، عيناها مشتعلتين. «إذا لم تفعل، سأفعل. سأتصل الآن. سأجعل الإعلام يراه كمفترس، ونراك كالضحية الشريفة. هل تفهم؟ هل لا تزال تفكر في حرارته وأنت هنا؟». خالد شعر بقبضته تنقبض. «أبي... لا أستطيع أن أتّهمه بالكذب الكامل. الصورة حقيقية. اللحظة...». عبدالله رفع يده المرتعشة: «إذن أنت تختار الرغبة على الدم. على العقود. على أختك. اخرج. اكتب الإنكار الذي يتهمه، أو اكتب تنازلك عن الخلافة». خالد خرج. الهاتف في يده. الرسالة من فيصل وصلت قبل دقائق: «السطح. برج الحي المالي. الهليباد. الآن. وحدنا».
وصل فيصل أولاً. صعد بالمصعد الزجاجي السريع إلى السطح. الباب انفتح على رياح عاتية تضرب الوجه كالسياط. الهليباد فارغ، المعدن البارد يلمع تحت أضواء الطوارئ الخافتة. المدينة تحت قدميه تبدو كرماد مشتعل: أضواء متناثرة كالنجوم الساقطة، الأبراج الأخرى كأصابع سوداء تشير إلى السماء. وقف عند الدرابزين المعدني، يداه تمسكان بالحافة الباردة، والريح تعبث بثوبه. رائحة الصحراء الجافة تختلط برائحة الوقود البعيد. الجسد لا يزال يتذكر. الخيمة. الضوء الذهبي. الشفاه على بعد شعرة. اليد في الشعر. الحرارة التي لم تبرد رغم كل التهديدات.
خطوات هادئة خلفه. عرفها قبل أن يلتفت. خالد المنصور جاء مرتدياً ثوباً داكناً، المشلح يتطاير مع الريح. الوجه منحوت بالتعب والغضب والرغبة. وقف على بعد مترين. «جئت». صوته خشن كالرمل. فيصل لم يلتفت فوراً. «أبي يريدني أن أتّهمك. يقول إن الصورة حربك. أو أقبل زوجة سياسية تُغطي العار». خالد ضحك ضحكة مكسورة. «أبي يريد الشيء نفسه. أن أتّهمك أنت. أو آخذ خطيبة يختارها الأمير مشعل. نوف مستعدة أن تفعل كل شيء. الولاء...». توقف. الريح صرخت بينهما. «الولاء يقول: اخنقه. اجعلهم يكرهونه. احمِ العائلة».
فيصل استدار أخيراً. نصف خطوة أقرب. المسافة صارت ذراعاً. عيونه الرمادية تلمع في الظلام. «لا أستطيع التوقف عن التفكير في الخيمة. منذ اللحظة التي انسحبنا، وأنا أشعر بيدك هنا». رفع يده إلى قفاه، حيث كانت أصابع خالد. «الحرارة. الجوع. الغضب الذي تحول إلى شيء آخر. أبي يسميه ضعفاً. أنا أسميه...». الصوت انخفض، صار خشناً كالحجر. «لا أستطيع أن أتّهمك. حتى لو انهارت العقود. حتى لو سحبوا الخلافة. أنت الوحيد الذي يفهم هذه النار. أنت الوحيد الذي كاد يحترق معي».
خالد تحرّك. يده امتدت، أمسكت بمعصم فيصل. القبضة قوية، دافئة، استمرت أطول مما يجب. الأصابع تلف حول العظم، والإبهام يضغط على النبض. عيونه السوداوان أظلمت أكثر. «وأنا. جسدك لا يزال تحت يدي. الهمس. الالتصاق. أريد أن أعود. أريد أن أكمل ما قطعته الصورة». الريح هبّت أقوى، جعلت ثوبيهما يلتصقان للحظة. الحرارة المتبقية من جسديهما قطعت البرد. لكن خالد ارتعش. اليد على المعصم ارتعشت. «لكن العائلة... أبي يموت. نوف تحمل الإمبراطورية على كتفيها. إذا لم أتّهمك، إذا لم أقبل الخطبة، يسحبون كل شيء. الطاقة. العقود الشمالية. الرؤية. يرمونني».
فيصل لم يسحب يده. ترك القبضة. «وناصر يفعل الشيء نفسه. يقول: اتهم المنصور. أو تزوج. الولاء أولاً. لكن كيف أتهمك وأنا أعرف أنني أنا من شد القماش؟ أنا من اقتربت أكثر؟». تقدّم نصف خطوة أخرى. الآن الصدور تكاد تلمس. «دعنا نصنع قصة مشتركة. نقول إن الصورة مفبركة من طرف ثالث. تركي الدوسري. الاسم الذي يظهر في الرسائل. نقول إنه ابتزنا. ننكر اللقاء تماماً. نقف معاً».
خالد أطبق فكه. «تركي؟ ربما. لكنه يبيع الأسرار للأعلى سعراً. إذا اتهمناه، يفتح فمه أكثر. ويظهر المزيد. ربما تسجيلات. ربما ما حدث قبل الصورة. الأمير مشعل لن يغفر. العقود المشتركة ستُلغى فوراً إذا ظهر أننا نكذب معاً». أرخى القبضة قليلاً، ثم شدها من جديد. «خطي الأحمر: لا أستطيع أن أدع أختي تأخذ المكان. ولا أستطيع أن أرى أبي يموت وهو يعتقد أنني خنت الدم. إذا أنكرنا معاً دون اتهام أحد، يروننا ضعفاء. يروننا... متورطين».
فيصل شعر بالحرارة ترتفع في حلقه. «وخطي أنا: لن أتهمك. لن أجعلهم يكرهونك أكثر مما يكرهون. ولن أتزوج امرأة لأغطي رغبة لا تزال تحرقني. إذا قبلت الخطبة، أموت من الداخل. إذا اتهمتك، أموت من الخيانة». اليد الحرة ارتفعت، لمست كتف خالد. «انظر إليّ. الريح هنا، المدينة تحتنا كالرماد، ونحن عالقان. أريدك. أريد أن أحميك. لكن كيف نحمي بعضنا دون أن نخون العائلات؟».
خالد أغمض عينيه لحظة. الريح صفّرت في أذنيه. عندما فتحهما، الجوع كان واضحاً. «أحاول. أقول: نُصدر بياناً مشتركاً. نقول إننا كنا نناقش صفقة سرية للرؤية، والصورة أُخرجت من سياقها. نرفض أي اتهام. نرفض الخطبات. نقف كحلفاء مؤقتين». توقف. «لكن ناصر لن يقبل. عبدالله لن يقبل. نوف... نوف ستحرق الأرض. الأمير مشعل يريد حلاً نظيفاً: خائن وضحية. أو زواجاً يُغلق الملف. لا مكان للرمادي».
فيصل سحب نفساً عميقاً. رائحة العود الخفيفة من ثوب خالد وصلت إليه. «إذن الخطوط الحمراء متضاربة. أنت تحتاج اتهاماً يحميك. أنا أرفض أن أكون المتهم أو المتهم. أنت تحتاج زواجاً سياسياً. أنا أرفض أن ألمس امرأة وأنا أفكر فيك». اليد على الكتف انزلقت قليلاً نحو الرقبة. «في الخيمة، قلت: الآن لسنا عائلات. هل لا تزال تعنيها؟».
خالد مال للأمام. الجباه كادت تلتقي. «أعنيها. كل ليلة. كل مرة يرن الهاتف. لكن عندما أسمع تنفس أبي الضعيف، أو أرى نوف تحمل الأوراق، أرتجف. الولاء ليس خياراً. هو قيد. وأنت... أنت النار التي تريد أن تكسر القيد. كيف نجتمع دون أن نحترق تماماً؟».
حاولا. جلسا على حافة الهليباد، الظهور للريح، الأيدي لا تزال متصلة أحياناً. فيصل اقترح: «نُسرّب أن تركي هو من التقط. ندفع له أكثر مما دفع الآخرون. نشتري صمته. ثم ننكر أي رغبة. نقول صداقة عمل فقط». خالد هز رأسه: «تركي لا يُشترى بسهولة. وهو يعرف الأمير مشعل. إذا ضغطنا، ينقلب. وخطي: لا أستطيع أن أترك نوف تواجه العاصفة وحدها. إذا لم أتّهمك جزئياً على الأقل، تفعل هي. وتجعل الأمر أسوأ».
خالد اقترح: «أنا أتّهم طرفاً مجهولاً. أنت تفعل الشيء نفسه. نرفض الخطبات. نطلب تحقيقاً رسمياً. نؤخر.». فيصل: «ناصر لن يؤخر. يريد رأسك أو زوجة. والتحقيق سيكشف المزيد. ربما شهود من الخيمة. ربما الأمير نفسه رأى شيئاً». الريح زادت. الأضواء تحتهم تلمع كالجمر. اليدان على الدرابزين المعدني البارد، المفاصل بيضاء من الضغط. الحرارة من الأذرع المتلامسة تقاوم البرد.
«لا نستطيع». قال خالد أخيراً، الصوت مكسور. «كل قصة مشتركة تصطدم. أنت لن تخون عائلتك بالطريقة التي أحتاجها. وأنا لن أخون عائلتي بالطريقة التي تحتاجها. الرغبة هنا». وضع يده على صدر فيصل، فوق القلب. «تحترق. لكن الولاء هناك». أشار إلى المدينة. «يسحق».
فيصل أمسك باليد على صدره. «إذن نفترق؟ نتّهم بعضنا؟ نتزوج؟». «لا». خالد شد اليد. «لا أستطيع. حتى لو حاولت كتابة البيان، اليد ترتجف. أتذكر الشفاه. أتذكر كيف كدت أبتلعك». فيصل اقترب أكثر. الأنفاس اختلطت مع الريح. «وأنا. لا أستطيع أن أقول إنك عدو. أنت الشيء الوحيد الحقيقي في هذا الرماد».
حاولا مرة أخيرة. «نصمت. لا بيان. نترك الأمير مشعل يتحرك. نختبئ». «ثم يأخذون كل شيء. الخلافة. العقود. الرؤية. ونبقى بلا شيء إلا بعضنا. هل يكفي؟». السؤال علق في الهواء. لم يجب أحد. لأن الإجابة كانت نعم ولا في الوقت نفسه. الرغبة تقول نعم. العائلات تقول لا.
الوقت مر. الريح لم تهدأ. أجسادهما اقتربت حتى صارت الحرارة مشتركة. فيصل نصف خطوة أخيرة. «لا أستطيع التوقف. حتى الآن. هنا. أريد...». لم يكمل. خالد أمسك بمعصمه بقوة أكبر. العيون داكنة. «وأنا. الجوع نفسه. لكن إذا لم نعد الآن، إذا لم نختر، الهواتف...».
الهواتف رنت. في اللحظة نفسها. فيصل أخرج جهازه. رسالة من ناصر: «البيان أو التنازل. الآن. الخطبة جاهزة. أو اتهم المنصور في بيان مباشر. أمامك ساعة». خالد نظر إلى شاشته. من نوف: «كتبت البيان. يتهم فيصل. إذا لم توافق، أنشره باسمي. وأقبل الخطبة نيابة عنك. أبي يوافق. اختر الولاء أو احترق». رسالة أخرى من الأمير مشعل لكليهما: «لا مزيد من التأخير. إما سردية واضحة بحلول الفجر، أو ألغي العقود بنفسي. وأفتح ملفات قديمة».
وقفا. الأيدي انفصلت ببطء. البرد عاد. المسافة عادت متراً. لكن الشحنة بقيت. العيون التقت. الاعترافات معلّقة: أريدك. لا أستطيع خيانتك. لا أستطيع خيانة الدم. لا ميثاق. لا قصة مشتركة. الخطوط الحمراء تتقاطع كالسيوف.
فيصل قال بصوت منخفض: «نغادر. بدون اتفاق». خالد أومأ. «بدون اتفاق. لكن الليلة... الليلة عرفت أن النار لا تموت. حتى لو أحرقت العائلات». تحرّكا نحو الباب. الخطوات بطيئة. عند المصعد، توقفا. فيصل مد يده، لمس رسغ خالد لحظة أخيرة. «سنتحدث. بطريقة ما». خالد أمسك للحظة أطول. «سنحترق. بطريقة ما».
نزلا منفصلين. فيصل في سيارته السوداء، السائق صامت. خالد في سيارته. الهواتف تضيء بلا توقف. الرسائل الجديدة: مواعيد مع المحامين. مسودات بيانات. أسماء خطيبات محتملات. تهديدات بالتحقيق. المدينة تحتهم لا تزال تلمع كالرماد. الريح لا تزال تعوي فوق الهليباد الفارغ.
كلاهما عرف. الرغبة نجحت في الاختبار الأول جزئياً: لم يخون أحدهما الآخر علناً بعد. لكن الولاء ضغط بقوة أكبر. لا ميثاق. لا حل. فقط المسافة المشحونة، والحرارة التي لا تزال في المعاصم، والفجر الذي يقترب حاملاً خيارات أقذر. الفضيحة لم تنتهِ. الرماد بدأ يتساقط على الرؤوس. وبينهما، شيء غير مكتمل يحترق في الظلام، ينتظر الشرارة التالية.