كان الهواء في الدرعية ثقيلاً كالحرير المبلل بالليل. رائحة اللبان تتصاعد من المباخر النحاسية المنتشرة حول الخيام الذهبية، تختلط برائحة العود الثقيلة التي تتسرب من الأكمام والثياب البيضاء، وبغبار الصحراء الناعم الذي يعلق على الشفاه والجلد كقبلات غير مرغوب فيها. أضواء الفوانيس الذهبية تتأرجح ببطء، ترسم ظلالاً طويلة على السجاد المزخرف الذي يغطي الأرض، ظلالاً تبدو كأنها تتحرك وحدها بين طيات الخيام. من بعيد، يدق إيقاع الطبول التقليدية ببطء منتظم، كقلب مدينة قديمة تستيقظ، ويختلط به همس الضيوف الملكيين المنخفض، ضحكات مكتومة، وصرير الكؤوس الفضية. حفر النار القريبة تبعث حرارة جافة تضرب الوجوه، تجعل العرق يتكون تحت الثياب رغم برودة الليل النسبية.
فيصل الرشيد وقف عند حافة الخيمة الرئيسية، يده اليمنى تمسك بكأس الشاي الزجاجي الصغير دون أن يشرب منه. وجهه الحاد، الذي ورثه عن ناصر الرشيد، كان قناعاً أرستقراطياً من الازدراء المكبوت. عيناه الرماديتان تتجولان بين الوجوه، لكنهما تعودان دائماً إلى نقطة واحدة: خالد المنصور. كان خالد يقف على الجانب الآخر من الدائرة، يتحدث بصوت هادئ إلى الأمير مشعل، رأسه مائل قليلاً، ابتسامة باردة على شفتيه. الطاقة التي يشعها خالد كانت مختلفة عن الجميع؛ ليست طاقة المال فقط، بل طاقة من يعرف كيف يحفر في الأرض ويستخرج ما يريده بالقوة. فيصل شعر بتلك الطاقة كأنها تلمس جلده من بعيد، منذ سنوات، منذ أول مرة التقيا في اجتماع مجلس إدارة مشترك، عندما كانا لا يزالان وريثين يتعلمان كيف يبتسمان أمام الكاميرات بينما يكرهان بعضهما في الداخل.
«ابن المنصور يعرف كيف يلعب»، همس فيصل لنفسه، شفتاه تتحركان بالكاد. «يعرف كيف يجعل الجميع يظنون أنه يخدم الرؤية بينما يدفن المنافسين تحت الرمال».
الأمير مشعل رفع يده فجأة، صوته يحمل ذلك اللهجة الهادئة التي لا ترفض. «يا فيصل، يا خالد. اقتربا. لدينا أمر يجب أن نناقشه بعيداً عن الأضواء».
الجمهور تفرق ببطء، كأن أمراً ملكياً غير معلن قد صدر. فيصل شعر بعينيه تلتقيان بعينَي خالد عبر المسافة. لم يكن هناك سلام. فقط نظرة طويلة، مليئة بكل ما لم يُقل في السنوات الماضية: المناقصات المسروقة، الشائعات عن اختصارات في العقود، الولاءات العائلية التي تحولت إلى أسلحة. خالد ابتسم ابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي تخفي شيئاً أكثر حدة، ثم تبع الأمير نحو الخيمة الخاصة في الخلف، خيمة المجلس الخاصة المخصصة للمحادثات التي لا تُسجل.
فيصل تبعهما، خطواته محسوبة، ثوبه الأبيض يرفرف قليلاً مع الريح. الهواء داخل الخيمة كان أثقل. اللبان هنا أقوى، والعوود يملأ الصدر كدخان حلو ومر. الفوانيس المعلقة تلقي ضوءاً ذهبياً دافئاً على السجاد الأحمر المزخرف بخيوط ذهبية، والظلال ترقص على الجدران القماشية. في الزاوية البعيدة، كانت هناك وسائد كبيرة مرتبة حول طاولة منخفضة من خشب العود. الأمير مشعل وقف لحظة، يديه خلف ظهره.
«المشروع المشترك لمرحلة الدرعية في رؤية ٢٠٣٠ لن ينتظر. العائلاتتان ستعملان معاً. لا خيار. المناقصة المفروضة ستُعلن غداً. أريدكما أن تتفقا على التفاصيل الليلة. وحدكما. أنا سأخرج لأطمئن الضيوف».
خرج الأمير دون انتظار رد، ستارة الخيمة تسقط خلفه كحجاب نهائي. بقي الصمت لثوانٍ، ثم امتلأ بصوت الطبول البعيدة، وهمهمة الضيوف، وصرير النار.
خالد استدار ببطء، يديه في جيبي ثوبه. عيناه السوداوان ثابتتان على فيصل. «إذن... اختصارات عائلتك ستدفن رؤية ٢٠٣٠، فيصل. أم تظن أن الجميع ينسى كيف أخرتم مشاريع الطاقة في الشمال بوعودكم الكاذبة؟»
فيصل شعر بالدم يطرق في صدغيه. وضع الكأس على الطاولة، خطواته تقترب دون أن يدرك. «اختصاراتنا؟ أنت تتحدث عن الاختصارات بينما عائلتك تشتري الولاءات بالملايين تحت الطاولة؟ والدك عبدالله يرقد مريضاً، وأنت تستخدم مرضه كدرع لتمرير عقود مشبوهة. لا تتحدث معي عن الرؤية، خالد. أنت لا تخدمها. أنت تستخدمها».
خالد ضحك ضحكة منخفضة، قصيرة، كأنها تأتي من مكان عميق في صدره. اقترب خطوة. المسافة بينهما الآن أقل من مترين. رائحة عطر خالد وصلت إلى فيصل: عود ثقيل مختلط بشيء معدني، كرائحة الحديد الساخن. «والديك ناصر يظن أنه لا يزال يملك الرياض. لكنه ينسى أن الطاقة هي التي تحرك كل شيء. بدوننا، مشاريعكم التنموية مجرد رمال تذروها الريح. أنتم تحتاجوننا. وهذا ما يزعجك».
فيصل شعر بحرارة النار القريبة تخترق القماش، أو ربما كانت حرارة أخرى. نظر إلى فم خالد وهو يتحرك، إلى الطريقة التي يرتفع بها صدره مع كل نفس. منذ متى كان يلاحظ ذلك؟ منذ الاجتماع الأول، عندما وقف خالد أمام الخريطة وأشار بإصبعه إلى مواقع الآبار، صوته واثقاً كأنه يملك الأرض نفسها. فيصل كان يكرهه. وكان يراقبه. كان يريد أن يكسر ذلك الثقة. وكان يريد شيئاً آخر لا يجرؤ على تسميته.
«تحتاجوننا؟» رد فيصل بصوت حاد، مقطوع، أرستقراطي. «أنتم من تحتاجون الشرعية التي نعطيها. بدون اسم الرشيد، تبقون تجاراً في الظل. والدك يعرف ذلك. حتى أختك نوف تعرف ذلك. لهذا تحاولون دائماً الالتصاق بنا».
خالد أخذ خطوة أخرى. الآن المسافة ذراع واحدة. عيناه لم تترك عيني فيصل. «الالتصاق؟ أنت من لا تستطيع أن تنظر بعيداً. رأيتك في كل اجتماع. رأيت كيف تحدق. كأنك تريد أن تعرف كيف أتنفس».
الكلمات كانت حادة كالسكاكين، لكنها حملت شيئاً آخر تحتها. فيصل شعر بشيء ينكسر داخله، جدار رفيع كان يبنيه لسنوات. اليد التي كانت متشبثة بطرف ثوبه ارتخت، ثم ارتفعت دون إذن، كأنها تجذبها جاذبية خفية. «أنت تتوهم. أنا أراقب العدو. لا أكثر».
«عدو؟» خالد همس الآن، صوته أقرب، أخفض. الهواء بينهما أصبح مشحوناً، كثيفاً برائحة اللبان والغبار والعرق الخفيف تحت الثياب. «إذن لماذا ترتجف يدك الآن؟»
فيصل نظر إلى يده. كانت قريبة من صدر خالد. لم يلمس بعد. لكنه كان يميل. وخالد كان يميل أيضاً. لا أحد يدفع. لا أحد يجبر. فقط جسدّان يتقاربان كأن السنوات من العداء كانت مجرد مقدمة لهذا. قلب فيصل يدق بقوة، يسمعه في أذنيه فوق صوت الطبول. فكر في ناصر، في الإمبراطورية، في الشرف العائلي الذي يُبنى على الظهور العلني. فكر في كيف أن أي لحظة ضعف ستُستخدم ضده. لكنه لم يتراجع.
«عائلتي لا ترتجف»، قال فيصل، لكن صوته فقد حده الأرستقراطي، أصبح أخشن. «أنت من يختبئ خلف برودة مزيفة. رأيتك أيضاً. رأيت كيف تنظر عندما تظن أن أحداً لا يراك».
خالد لم ينكر. عيناه أصبحتا أغمق في ضوء الفوانيس. يده اليمنى ارتفعت، ببطء، واستقرت على قماش ثوب فيصل عند الكتف. الأصابع أمسكت بالقماش، ليس بقوة عنيفة، بل بقبضة تمسك بما تريد الإبقاء عليه. «أقول لك الحقيقة الآن، فيصل الرشيد. منذ أول مرة رأيتك ترفض عقداً أمام الجميع بصوتك البارد ذاك، وأنا أريد أن أكسر ذلك البرود. أريد أن أرى ما تحته».
الحرارة من حفر النار ومن جلدهما امتزجت. فيصل شعر بأنفاس خالد على خده، دافئة، مختلطة برائحة القهوة العربية التي شرباها سابقاً. يده هو الأخرى ارتفعت، أمسكت بقماش ثوب خالد عند الخصر، تشدّه أقرب. الأجساد التصقت. الصدور تتلامس عبر الطبقات البيضاء، الحرارة تنتقل كتيار كهربائي. لم يكن هناك عنف. فقط اندفاع مشترك، كأن كلاهما انتظر هذه اللحظة دون أن يعترف.
«اختصاراتكم ستدمر كل شيء»، همس فيصل، شفتاه قريبتان جداً من شفتي خالد، كلمات العمل لا تزال حادة، لكن التنفس خانق. «ستجعلون الرؤية تبدو ككذبة. وأنا لن أسمح بذلك».
«وأنا لن أسمح لعائلتك أن تسرق ما بنيناه»، رد خالد، صوته اهتز قليلاً للمرة الأولى. يده الأخرى ارتفعت، أمسكت بظهر رقبة فيصل، الأصابع تغوص في الشعر القصير عند القفا. «لكن الآن... الآن لسنا عائلات. نحن هنا».
القلوب تدق معاً. الظلال على السجاد تطول وتقصر مع تمايل الفوانيس. من الخارج، صوت طبل يرتفع لحظة، ثم ينخفض. فيصل شعر بكل تفصيلة: خشونة القماش تحت أصابعه، دفء جسد خالد الذي يضغط عليه، الرائحة المختلطة للعود واللبان والغبار التي تملأ أنفه، والطعم المعدني للرغبة التي طالما دفنها تحت طبقات من الكبرياء. عيناه انخفضتا إلى فم خالد. الشفاه متقاربة جداً. سنتيمترات. أقل.
كلاهما مالَ في اللحظة نفسها. لا أحد بدأ وحده. الأنفاس امتزجت. الأفواه على وشك أن تلتقي، الجوع الذي كان مموهاً بالكلمات الحادة يطفو الآن عارياً، لا يمكن إنكاره. يد فيصل شدت القماش أكثر، جسد خالد ضغط أقرب، حتى أصبحا كتلة واحدة من الحرارة والغضب القديم والرغبة الجديدة. تحت الجلد، كانت سنوات من التنافس تتحول إلى شيء آخر، شيء يحرق، شيء يهدد بانهيار كل ما بنياه.
في تلك اللحظة بالذات، من الزاوية المظللة للخيمة، حيث تتراكم الوسائد والظلال الطويلة، جاء صوت خافت: كليك ناعم، صوت غالق هاتف يلتقط صورة. ثم توهج شاشة هاتف خافت، أزرق باهت، ينير للحظة وجهاً غير مرئي تماماً في الظلام. المشهد تجمد. الأجساد لا تزال ملتصقة، الأنفاس مشتركة، الأفواه على بعد شعرة من الالتقاء، والهاتف يلتقط كل شيء.