الجناح في الطابق العلوي من برج المملكة كان غرفةً من الزجاج والظلام والصمت المكيف. الجدران الشفافة تمتد من الأرض إلى السقف، تكشف أفق الرياض كله: أبراجٌ تلمع كنقاطٍ من ذهبٍ بارد، وطرقٌ سريعة تتوهج بخطوطٍ حمراء وبيضاء، وبرج المملكة نفسه ينتصب في الأفق القريب كعملاقٍ فضيٍ يرقب المدينة. الهواء البارد ينساب من فتحاتٍ خفية، يلامس الجلد كأصابعٍ جليدية، بينما سجادةٌ سميكةٌ ناعمة تمتص وقع الأقدام وتبتلع الأصوات. في الخارج، همهمة المدينة البعيدة — صفير سياراتٍ خافت، دوي طائراتٍ بعيدة — تصل كنبضٍ مكتوم، كأن الرياض نفسها تحبس أنفاسها.
راكان الرشيد دخل أولاً. الثوب الأبيض لا يزال عليه، والعباءة مطوية على ذراعه. أغلق الباب خلفه بقفلٍ إلكتروني هادئ، ثم وقف أمام الزجاج. أضواء المدينة انعكست على عينيه الرماديتين. النبض في رقبته كان سريعاً، لكنه أخفاه. الولاء. الإمبراطورية. العطاءات. كل شيءٍ كان يجب أن يبقى خارج هذا الباب. لكنه دعا يزيد الحربي إلى هنا. «مكان أهدأ»، قال. كذبة. كان يريد أن يرى إن كان الجوع الذي أحرقه في الديوانية سيخنق أم يشتعل.
دق الباب. مرة واحدة. راكان الرشيد فتحه.
يزيد الحربي وقف هناك. الجاكيت الأسود مفتوح، القميص تحته مفكوك الزر العلوي، والعينان السوداوان تلمعان كجمرٍ تحت رماد. لم يقل «مساء الخير». دخل. الباب أغلق خلفه. المسافة بينهما صارت شبراً واحداً. رائحة العطر الخشبي والعرق الخفيف امتزجت ببرودة التكييف. «المستندات»، قال يزيد الحربي بصوتٍ خشنٍ منخفض، كأنه يتذكر السبب. «قلت نراجع. أين هي؟»
راكان الرشيد أشار إلى الطاولة الزجاجية في زاوية الجناح. ملفاتٌ مغلقة، جهاز لوحي، قلم. لكنه لم يتحرك نحوها. بقي واقفاً. «على الطاولة. لكن أولاً... القهوة. أم تفضل شيئاً أقوى؟» صوته كان بارداً، لكن اليد التي أشارت ارتجفت لجزءٍ من الثانية.
يزيد الحربي ضحك ضحكةً قصيرة، بلا مرح. «قهوة؟ هنا؟ بعد ما حدث في الديوانية؟ أنت تبحث عن قناعٍ جديد، راكان الرشيد.» تقدم خطوة. السجادة ناعمة تحت حذائه. خلع الحذاء ببطء، تركه عند الباب. قدماه حافيتان الآن. ثم خلع الجاكيت، رماه على كرسيٍّ جلدي. «العائلات تتنافس منذ عقود. آل الرشيد وآل الحربي. دماءٌ باردة في العقود، وسكينٌ في الظهر كلما سنحت الفرصة. وأنت تدعوني إلى جناحٍ في برج المملكة... لمراجعة أرقام؟»
راكان الرشيد شعر بالسيطرة تتصدع. العينان الرماديتان ثبتتا على عنق يزيد الحربي، على الأوردة الخفيفة، على الجلد الذي بدا ساخناً رغم الهواء البارد. «السيطرة على المفاتيح»، قال، مستعيداً كلمات الديوانية. «هذا ما نفعله. نراجع. نقرر من يسقط.» لكنه اقترب. الثوب يلامس تقريباً القميص الأسود. رائحة يزيد الحربي — خشبٌ حاد وعرقٌ نظيف — ملأته. «أو نقرر شيئاً آخر.»
الصمت سقط كستارة. نسيم التكييف لامس جلدهما، جعل الشعر الخفيف على ذراعي يزيد الحربي ينتصب. همهمة المدينة وصلت أوضح الآن، كأنها تهمس من خلف الزجاج. راكان الرشيد رفع يده. لم يلمس. توقف في الهواء، على بُعد سنتيمترات من صدر يزيد الحربي. الأصابع ارتجفت. الولاء يصرخ: ابتعد. اسحقه. العائلة أولاً. لكن شيئاً أعمق — أوسخ، ألذ — كان يحترق تحت الجلد منذ النظرة الأولى عبر الطاولة السوداء في البرج الزجاجي، ومنذ اللمسة العابرة في الديوانية.
يزيد الحربي لم يبتعد. رفع ذقنه. العينان السوداوان لمعت. «رأيتك في الديوانية. اليد ترتجف. النظرة... ليست تقييماً. كذبة أخرى.» صوته انخفض إلى همسٍ خشن. «أنا أيضاً. منذ تلك اللحظة. الخصم. الوريث. العدو. لكن الجسد... الجسد لا يكذب.» مد يده هو الآخر. أصابعه لمست كم الثوب. لمسةٌ خفيفة. ثم أقوى. أمسك بالمعصم.
الحرارة انتقلت كصدمة. راكان الرشيد شعر بالسيطرة تنهار تماماً. لم يسحب يده. بدلاً من ذلك، اقترب أكثر. الصدور تكاد تلامس. البرودة من التكييف تصطدم بالجلد الساخن تحت القماش. «يزيد الحربي»، قال الاسم كاملاً، كأنه يتذوقه. «لو عرفوا... لو خرجت صورة... الإمبراطوريتان تنهاران. الأرواح... العمال في المشاريع... السمعة...»
«دعها تنهار»، قطع يزيد الحربي. الصوت أجش. «ليلة واحدة. هنا. الزجاج. الأضواء. لا أحد يرى.» ثم، بلا كلمة أخرى، أغلق المسافة.
القرار كان متبادلاً، صامتاً، لا رجعة فيه. شفاه راكان الرشيد التقت شفاه يزيد الحربي. القبلة لم تكن لطيفة. كانت جوعاً. أسناناً خفيفة، نفساً ساخناً، يدين تبحثان عن ثبات. راكان الرشيد دفع يزيد الحربي إلى الخلف، نحو الزجاج. الظهر اصطدم بالسطح البارد. الأضواء الخارجية انعكست حولهما كنجومٍ مكسورة. يد راكان الرشيد انزلقت تحت القميص، لمست الجلد الساخن. عضلات الظهر مشدودة. يزيد الحربي أجاب بالمثل: يدان تمسكان بكتفي الثوب، تسحبان، تفكان الأزرار العليا. الثوب انفتح. الهواء البارد لامس الصدر العاري. قشعريرة. ثم حرارة أكبر.
السجادة ناعمة تحت الأقدام الحافية. راكان الرشيد خلع عباءته، رماها. يزيد الحربي خلع قميصه تماماً، ألقاه جانباً. الجسدان اقتربا أكثر. الصدور تلامس. الجلد على الجلد. البرودة من الزجاج خلف ظهر يزيد الحربي، والحرارة من الأمام. همهمة المدينة بدت أبعد. الوقت توقف. راكان الرشيد ركز كلياً. لا إمبراطورية. لا عطاءات. لا ولاء إلا لهذا الجسد أمامه. اليدان استكشفتا: الكتفين، العنق، الخط الذي ينزل من الحلق إلى الصدر. يزيد الحربي أجاب بنفس الشدة، بلا تردد. أصابعه غاصت في شعر راكان الرشيد القصير، سحبت الرأس للخلف، قبلت الرقبة. الأسنان لمست الجلد. همسة خشنة: «راكان الرشيد... أنت تحترق.»
«وأنت»، رد راكان الرشيد، صوته مكسور. دفعاه بعيداً عن الزجاج قليلاً، ثم عادا. السجادة استقبلت ركبتيهما حين انحنيا. الأيدي تتعجل. الأحزمة تفك. القماش ينزلق. لا كلمات عن العقود بعد الآن. فقط أنفاس، وملامسات، ورغبة مهووسة تملأ الغرفة كالدخان. التكييف يبرد العرق الذي يبدأ بالتشكل. الأضواء تلمع على الجلد. الظلال ترقص على السجادة. كلاهما يعرف: هذا خط. عقود من العداء. دماء عائلات. لكنهما يعبران معاً. كلمة واحدة لم تُقل. فقط الحركة. الاقتراب. الاستسلام المتبادل.
مرت ساعات. الزمن انهار إلى لحظاتٍ ساخنةٍ باردة. في النهاية، استلقيا على السجادة، الأجساد متشابكة جزئياً، الأنفاس ثقيلة. الثياب مبعثرة. الزجاج لا يزال يكشف المدينة التي لا تنام. راكان الرشيد رفع رأسه. شعر أصابع يزيد الحربي على ظهره. الولاء عاد يهمس، لكنه كان ضعيفاً. «هذا... لن يخرج»، همس. «أبداً.»
يزيد الحربي ضحك بهدوء، خشناً. «الكذب مرة أخرى. شيء ما يخرج دائماً.» ثم صمت. اليد بقيت.
الفجر اقترب. الأضواء الخارجية خفتت قليلاً. الهواتف — التي تُركت على الطاولة — بدأت تهتز. أولاً بهدوء. ثم بإلحاح. راكان الرشيد مد يده، التقط هاتفه. الشاشة أضاءت بضوءٍ أزرق بارد على وجهه. الإشعارات تتدفق. حسابات إكس. حسابات نخبوية. صورة واحدة. صورة حميمية. لقطة من زاويةٍ عالية، ربما من كاميرا أمنية مخفية أو هاتفٍ طائش. هما. ضد الزجاج. الأجساد قريبة. الثياب مفتوحة. الشفاه تلامس. الأضواء تلمع على الجلد. الوجهان واضحان بما يكفي. راكان الرشيد ويزيد الحربي. الوريثان. الخصمان. في لحظةٍ لا تُمحى.
«لا»، همس راكان الرشيد. الصوت ميت. مرر الصورة إلى يزيد الحربي. الهاتف الآخر أضاء أيضاً. الضوء الأزرق البارد غمر وجهيهما. الصمت كان أثقل من أي صمتٍ سابق. المدينة في الخارج تبدو فجأة معادية. الهمهمة صارت صراخاً.
يزيد الحربي حدق. العينان السوداوان اتسعتا. «من... كيف؟» اليد ارتجفت. الصورة تنتشر. إعجابات. مشاركات. تعليقات. «فضيحة القرن». «وريثا الإمبراطوريتين». «خيانة العائلات». الحسابات النخبوية تعيد النشر. قبل الفجر، الرياض كلها ستعرف.
راكان الرشيد شعر بالدم يتجمد ثم يغلي. السيطرة التي بناها عقوداً انهارت في صورةٍ واحدة. «الجناح... محمي. من فعل هذا؟» لكنه يعرف: لا يهم. الصورة خرجت. النار صارت وقوداً عاماً.
الهواتف اهتزت أكثر. رسائل. عائلات. أولاً من مستشاري آل الرشيد: «راكان الرشيد. الصورة في كل مكان. عد فوراً. تنصل. أنكر. اسحق الحربي. الإمبراطورية أولاً. الأرواح... المشاريع... كل شيء مهدد. لا تقترب منه مجدداً.»
ثم رسائل آل الحربي على هاتف يزيد: «يزيد الحربي. عار. فضيحة. العائلة تطالب بإنكارٍ كامل. ابتعد عن الرشيد. دمر أي دليل. الولاء للدم فقط. وإلا... الإمبراطورية أو أنت.»
كلاهما قرأ في اللحظة نفسها. الضوء الأزرق على الوجهين. السجادة لا تزال دافئة تحت جسديهما. رائحة العرق والجلد تختلط ببرودة الهواء. الزجاج يكشف الأفق الذي بدأ يضيء بالفجر. الصورة تنتشر. الرسائل تتراكم. الرغبة لا تزال تحترق تحت الجلد، لكن الجدران تنهار.
راكان الرشيد رفع عينيه. التقى نظرة يزيد الحربي. لا كلمات. فقط الإدراك: النار التي اشتعلت بينهما صارت الآن سلاحاً في يد الجميع. العائلات تطالب بالتنصل. بالإنكار. بالعودة إلى الحرب. لكن الجسد يتذكر. اللمسة. القبلة. العبور.
«ماذا نفعل؟» همس يزيد الحربي. الصوت خشن، مكسور.
راكان الرشيد لم يجب فوراً. نظر إلى المدينة. ثم إلى الصورة. ثم إلى الرجل أمامه. الإمبراطورية أو الأرواح. الرغبة أو البقاء. لا حل نظيف. الفتيل احترق. والانفجار بدأ.
الهواتف استمرت في الاهتزاز. الرسائل تتدفق. الفجر يدخل من الزجاج. وهما عالقان: بين ما يريدانه، وما يجب أن يفعلاه، وبين صورةٍ واحدةٍ لن تموت أبداً.