في حي النرجس، حيث تتناثر الفلل ذات الأسوار العالية كجواهرٍ محميةٍ تحت سماء الرياض الليلية، وقفت ديوانية آل الرشيد كقلعةٍ هادئةٍ تتنفس العود والذاكرة. الجدران الخارجية من الحجر الجيري الفاتح تعكس وهج المصابيح الخارجية الخافت، والباب الخشبي المنقوش بزخارف نجدية قديمة كان موارباً، يترك فرجةً يمر منها نسيم الصحراء البارد. رائحة الهيل القوية امتزجت برائحة العود الفاخر المتصاعد من المباخر النحاسية، ووصلت إلى الشارع كدعوةٍ صامتة. في الداخل، الغرفة الواسعة ذات السقف المرتفع جمعت بين التراث والحداثة: جلسات أرضية منخفضة مكسوة بقماشٍ داكن فاخر، وسائد مطرزة بخيوط ذهبية، ومصابيح نحاسية تقليدية تتدلى من السقف وتلقي ضوءاً دافئاً برتقالياً على الجدران المكسوة بألواح خشبية داكنة. في الزاوية، طاولة زجاجية حديثة تحمل ملفاتٍ مغلقة وأجهزة لوحية، كأن الأعمال لا تنام حتى في قلب الضيافة. صوت السيارات البعيدة في الشوارع الرئيسية يصل مكتوماً، نبضاً حضرياً لا يقطع السكون تماماً، بينما الباب المفتوح على الفناء الداخلي يسمح لنسيم الليل الجاف أن يتسلل، حاملاً معه برودةً خفيفةً تداعب الوجوه.
راكان الرشيد كان واقفاً بجانب الموقد المنخفض، حيث الغلاية النحاسية تغلي ببطء. الثوب الأبيض لا يزال نظيفاً كأنه لم يغادر الاجتماع، والعباءة الداكنة معلقة على مشجب خشبي قريب. عيناه الرماديتان تتابعان فقاعات الماء وهي ترتفع، لكنه لم يكن يفكر في القهوة وحدها. نبضه كان لا يزال سريعاً منذ تلك الدعوة التي خرجت منه في البرج الزجاجي. «تعالي الليلة»، قالها، والآن ينتظر. العائلة لن تعرف. المستشارون لن يعرفوا. هذه الساعة ملكه وحده، أو هكذا أقنع نفسه. الولاء للإمبراطورية يأتي أولاً، لكن شيئاً آخر كان يحترق تحت جلده منذ تلك النظرة عبر الطاولة السوداء. سمع صوت السيارة تتوقف خارجاً. خطوات حادة على الحصى. ثم الباب يُدفع برفق.
دخل يزيد الحربي. الجاكيت الأسود لا يزال عليه، والياقة مفتوحة أكثر قليلاً مما كانت في النهار، كاشفةً عن عنقٍ مشدود يتصبب عليه عرقٌ خفيف رغم برودة الليل. عيناه السوداوان مسحتا الغرفة بسرعة، ثم ثبتتا على راكان. لم يبتسم. لم يمد يده. وقف هناك، كتفيه عريضتين تملآن الفراغ، كأن الديوانية نفسها صارت أصغر بوجوده. «وصلت»، قال بصوتٍ خشنٍ منخفض، فيه بقايا التحدي من بعد الظهر. «آل الرشيد يستقبلون الخصوم بالهيل والعود. كرمٌ... أو فخ.»
راكان لم يتحرك فوراً. ترك الغلاية، التقط الفنجانين الصغيرين من الصينية الفضية، وبدأ يصب القهوة بحركةٍ بطيئةٍ محسوبة. السائل الذهبي المتصاعد بالبخار انسكب في الفنجان الأول، ثم الثاني. صوت الصب كان ناعماً، رقيقاً، يملأ الصمت. راكان رفع عينيه وهو يصب، وراقب حلق يزيد وهو يبتلع ريقه. العنق يتحرك، الجلد مشدود فوق العضلات، وشيءٌ في ذلك المنظر جعله يقبض على الفنجان بقوةٍ أكبر قليلاً. «الضيافة ليست فخاً»، قال بصوتٍ هادئٍ بارد، لكنه يحمل حرارةً مخفية. «هي قاعدة. حتى بين من يتقاتلون على العطاءات. اجلس. القهوة طازجة.»
يزيد تقدم. خطواته ثقيلة على السجادة الصوفية الداكنة. جلس على الوسادة المنخفضة المقابلة، قريباً أكثر مما ينبغي. المسافة بين الجلستين لم تكن أكثر من ذراعٍ ممدودة. راكان حمل الفناجين، اقترب، ووضعهما على الطاولة المنخفضة بينهما. صوت الفنجان وهو يرتطم بالصحن كان رقيقاً، «ط comming»، ثم «ط comming» مرةً أخرى. الرائحة تصاعدت: هيلٌ قوي، قهوةٌ محروقة قليلاً كما يحبها أهل نجد، وشيءٌ من الزعفران. راكان جلس هو الآخر، ثوبه ينسدل حوله، وبدأ يراقب. يزيد رفع الفنجان، شرب رشفةً صغيرة، وعيناه لم تبرحا وجه راكان. لم يكسر التواصل البصري. الصوت الذي خرج منه بعد الرشفة كان أخفض، أخشن: «البنود. بند الشراكة الخارجية في عطائكم. تقولون إن الولاء محلي. لكن العقود الفرعية تفتح أبواباً لشركات أوروبية تسيطر على البيانات. أين الولاء هنا، راكان الرشيد؟»
راكان شرب رشفةً بطيئة. القهوة حارة، تحرق طرف لسانه قليلاً، لكنه لم يظهر. أصابعه تدور حول الفنجان. «الولاء ليس في إغلاق الأبواب. هو في السيطرة على المفاتيح. شركاؤنا يعملون تحت إشرافٍ سيادي كامل. بياناتكم... بيانات آل الحربي... ستُخزَّن في خوادم خارجية. في سنغافورة. هل تثقون بالأجانب أكثر من أنفسكم؟ العائلة التي تمثلها تتحدث عن القفزة، لكن القفزة بدون شبكة أمان هي سقوط.»
يزيد وضع الفنجان. الصوت «ط comming» مرةً أخرى، أعلى قليلاً. انحنى إلى الأمام، مرفقيه على ركبتيه، والجسد يقترب. رائحة عطره — شيءٌ خشبي حاد، مختلط بعرقٍ خفيف من النهار — وصلت إلى راكان. «شبكة الأمان التي تتحدث عنها هي جدران. آل الرشيد بنوا إمبراطوريتهم على الخوف من التغيير. نحن نرى الرياض في ٢٠٣٠ كمدينةٍ لا تنتظر. البند الخاص بالذكاء الاصطناعي في عطائنا... الخوارزمية تتنبأ بالأعطال قبل حدوثها. ورقكم التقني يتجاهل ذلك. تتعمدون.»
الصوت انخفض أكثر. الحوار كان عن العقود، عن البنود، عن العائلات والشرف، لكن الهواء بين الرجلين كان يثقل. راكان شعر بحرارةٍ ترتفع من صدره إلى رقبته. صب قهوةً أخرى، الحركة متعمدة، اليد ثابتة رغم النبض الذي يركض. وهو يصب، راقب حلق يزيد مرةً أخرى. الجلد يتحرك مع كل كلمة، الأوردة الخفيفة ظاهرة تحت الضوء الدافئ للمصابيح النحاسية. أراد أن يمد يده، أن يلمس ذلك المكان، أن يرى إن كان الجلد حاراً كما يبدو. لكنه لم يفعل. الاستراتيجية. الشرف. الإمبراطورية. «البيانات ناقصة»، قال، صوته مقاس. «اختباراتكم في الإمارات لم تشمل عواصف الغبار التي تدوم أسبوعاً. النموذج سيفشل. وسمعة المملكة... سمعة العائلات... ستتضرر. آل الرشيد لا يغامرون بأرواح الناس من أجل أرقامٍ متفائلة.»
يزيد ضحك ضحكةً قصيرة، خشنة، كأنها تكسر شيئاً. «أرواح الناس؟ أنت تتحدث كمن يملك الضمير وحده. عطاؤكم الأرخص يعني عمالاً أقل أجراً، مواد أرخص، مخاطر مخفية. الشرف ليس في الحسابات الباردة. الشرف في الجرأة. وأنت...» توقف. عيناه سوداوان تلمعان في الضوء البرتقالي. «أنت بارد من الخارج. لكنني رأيت النظرة في البرج. رأيت شيئاً آخر.»
الصمت سقط. النسيم البارد تسلل من الباب المفتوح، حرك ستارةً خفيفة، وحمل معه صوت سيارةٍ بعيدة تمر في الشارع الرئيسي. المصابيح النحاسية تتمايل قليلاً، ظلالها ترقص على الجدران. رائحة العود أثقل الآن، والهيل يعلق في الحلق. راكان شعر بيده ترتجف قليلاً حول الفنجان. هذا الرجل... يزيد الحربي... يعرف كيف يقطع. كيف يرى. «النظرة كانت تقييماً»، قال راكان، لكن الصوت خرج أخشن مما أراد. «تقييم الخصم. لا أكثر.»
«كذبة.» يزيد قالها بهدوء. ثم مد يده نحو الصينية ليأخذ فنجاناً جديداً. الحركة كانت سريعة، غير محسوبة تماماً. كمه الأسود — قماش الجاكيت — لمس معصم راكان. لمسةٌ خفيفة، عابرة، كفة نسيجٍ على جلدٍ مكشوف تحت كم الثوب. لكنها احترقت. كلاهما تجمد.
الفنجان في يد يزيد توقف في الهواء. يد راكان بقيت ممدودة قليلاً فوق الصينية. الصمت انهار فجأةً إلى شيءٍ أثقل، أسمك. الهواء صار كثيفاً كالدخان. الغرفة — التي كانت واسعة — صارت ضيقة فجأة. المصابيح تبدو أقرب، والظلال أطول. راكان شعر بالحرارة تنتقل من نقطة اللمس إلى ذراعه كلها، ثم إلى صدره. نبضه يصرخ. يزيد شعر بالشيء نفسه: الجلد تحت الكم يحترق، والرغبة في عدم سحب اليد تتصارع مع الغضب القديم. كلاهما أدرك في اللحظة نفسها: الغرفة صغيرة جداً. الهواء سميك جداً. المسافة التي كانا يختبرانها — كم يقتربان دون أن يلمسا — انهارت. اللمسة حدثت. ولا يمكن إلغاؤها.
يزيد سحب يده ببطء، كمن يسحبها من نار. وضع الفنجان على الصحن بصوتٍ رقيقٍ جداً: «ط comming». لكنه لم يبتعد بجسده. بقي منحنياً. راكان لم يتحرك هو الآخر. عيناهما التقتا. الشرارة التي كانت في البرج عادت، أقوى، أسخن. شيءٌ يشبه الجوع المهووس تحرك في كليهما. الولاء للعائلات يصرخ في الخلفية: اقتله. اسحقه. لا تقترب. لكن الجسد يقول شيئاً آخر. الجسد يريد الاقتراب أكثر.
«البند...» حاول يزيد أن يعود، لكن صوته انخفض إلى همسٍ خشن. «بند السرية في عقودكم. يمنع أي تسريب. لكن التسريبات تحدث. الصور... الوثائق... تخرج. ماذا لو خرج شيءٌ عن هذا اللقاء؟»
راكان شعر بفمه يجف. صب قهوةً ثالثة، الحركة أبطأ الآن، متعمدة أكثر، كأنه يحاول استعادة السيطرة. وهو يصب، راقب الحلق مرةً أخرى. «لا شيء يخرج من هنا. الديوانية محمية. والولاء... الولاء يبدأ من عدم خيانة اللحظة. أنت هنا. أنا هنا. العطاءات تبقى خارج الباب.»
لكن الكلمات كانت قناعاً. كلاهما يعرف. التوتر لم يعد مهنياً فقط. كان شيئاً أعمق، أوسخ، ألذ. يزيد رفض كسر العينين. تحدى البند بصوتٍ أخفض فأخفض: «بند التعويضات في حال الفشل. آل الرشيد يضعون أرقاماً تجعل المنافس ينهار. شرف العائلة؟ أم خنقها؟»
«الشرف في البقاء»، رد راكان، واقترب بجسده قليلاً دون أن يلاحظ. الركبتان صارتا أقرب. «وأنت تختبر الحدود. تقترب. تتكلم كمن يريد أن يرى إن كنت سأتحرك.»
اختبرا المسافة. راكان نهض ببطء، حاملاً الغلاية ليعيد ملء الفناجين. وقف بجانب يزيد، قريباً جداً. الثوب يلامس تقريباً الجاكيت. يزيد رفع رأسه، بقي جالساً، ينظر إلى الأعلى. العنق معروض. راكان يصب، اليد ثابتة، لكن الأصابع تريد أن تنزلق. لم يلمسا. لكنهما فشلا في الابتعاد. عندما انتهى الصب، لم يعد راكان إلى مكانه فوراً. وقف هناك. يزيد لم ينهض ليرحل. الحوار عن العقود انتهى، أو كاد. الصمت عاد، ثقيلاً، مشحوناً برغبةٍ لا تُسمى. نسيم الصحراء دخل أقوى قليلاً، بارد على الوجوه الحارة. صوت المرور البعيد كأنه من عالمٍ آخر. الفناجين تصطك برفق حين وضعها راكان أخيراً.
«المستندات»، قال راكان فجأة، صوته منخفض، خشن من شيءٍ يحترق. «بعض البنود تحتاج مراجعة أدق. الأرقام... التفاصيل الحساسة. هنا... الضيافة تقاطع. هناك مكان أهدأ. فندق. جناح خاص. نراجع بهدوء. بعيداً عن العيون.»
الكلمات علقت. الدعوة الثانية. أخطر. تزيد الحربي رفع عينيه. الشرارة فيهما صارت ناراً. الصمت امتد. ثم، بهدوءٍ متقلب، فيه قبولٌ وتهديدٌ ورغبةٌ مكبوتة: «أهدأ... نعم. سآتي. نراجع. ونرى ما الذي ينكسر أولاً: العقود... أم شيءٌ آخر.»
راكان شعر بشيءٍ ينقبض في صدره، ثم ينفجر حرارة. يزيد نهض أخيراً. المسافة بينهما صارت شبراً. كلاهما فشل في الابتعاد فوراً. وقفا هناك، يختبران الهواء السميك، الرائحة المختلطة بالهيل والعود والعرق الخفيف، الضوء الدافئ الذي يجعل العيون تلمع. ثم، ببطء، ابتعد يزيد. خطواته نحو الباب. عند العتبة، التفت مرةً أخيرة. «الليلة. المكان الذي تحدده. ولا تتأخر، راكان الرشيد. النار لا تنتظر.»
خرج. الباب بقي موارباً. النسيم دخل أقوى. راكان بقي واقفاً في وسط الديوانية، الفناجين الفارغة على الطاولة، الصمت يصرخ، والجسد يحترق بمكان اللمسة. خارجاً، ليل الرياض ينتظر. والفتيل الذي اشتعل في البرج صار الآن أطول، أقرب إلى الانفجار. الفضيحة تنتظر في الجناح الهادئ. والإمبراطورية... أو الأرواح... ستدفع الثمن.