في قلب الرياض، حيث يلتقي الحديد بالزجاج تحت سماءٍ تتنفّس الغبار والذهب، ارتفع برجٌ من أبراج حي الملك عبدالله المالي كعمودٍ فضيٍّ يغرس نفسه في أفق رؤية ٢٠٣٠. خلف الجدران الزجاجية المزدوجة التي تعزل العالم الخارجي، كان الهواء بارداً ومنظّماً، يهمس بهمهمٍ منخفضٍ من أجهزة التكييف التي تحارب حرارة الصحراء المتوهّجة خلف النوافذ الممتدة من الأرض إلى السقف. الضوء المنعكس من أضواء الأفق المتلألئة ارتطم بالرخام الأسود المصقول على الطاولة الطويلة، فصنع مرايا مكسورة من الظلال والوهج. رائحة القهوة العربية القوية امتزجت برائحة الجلد الجديد للكراسي الفاخرة، وتسربت من مكانٍ ما في البُعد نداءُ أذانٍ مكتوم، كأنه يأتي من عالمٍ آخر لا يملك الحق في اختراق هذا الصندوق الزجاجي المغلق.
كان راكان الرشيد يجلس في الطرف الأقصى من الطاولة، متكئاً إلى الخلف بحسابٍ بارد. الثوب الأبيض الناصع يغطي جسده الطويل، والعباءة الداكنة ملقاةٌ على كتف الكرسي كأنها درعٌ جاهز. عيناه الرماديتان لم تبرحا الشاشة الكبيرة التي تعرض مخططات المدينة الذكية المقترحة: أبراجٌ تتكلم مع بعضها، شبكات طاقةٍ متجددة، أنظمة أمنٍ تتنبأ بالخطر قبل وقوعه. إمبراطوريته — إمبراطورية آل الرشيد — وضعت كل ثقلها في هذا العطاء. العائلة أمرت: اسحق الخصم. لا مجال للتراجع. لا مجال للرحمة. لكن تحت الثوب، حيث لا يراه أحد، كان نبضه يركض كحصانٍ جامح. لم يكن الخوف. كان شيئاً آخر، شيئاً أعمق، ينتظر الخصم الوحيد الذي يستحق أن يُنظر إليه.
وفي الطرف المقابل، جلس يزيد الحربي. لم يتكئ. انحنى إلى الأمام، كأنه يريد أن يبتلع الطاولة كلها. الجاكيت الأسود الضيق أبرز كتفيه العريضين، والياقة المفتوحة قليلاً كشفت عن عنقٍ مشدود كوتر قوس. عيناه السوداوان تلمعان بحدّةٍ متقلبة، فمُه مضغوطٌ في خطٍّ رفيع. عائلته — آل الحربي — أرسلته ليكون النصل الذي يقطع رأس المنافس. العطاء الخاص بهم أكثر جرأة، أكثر مخاطرة، يعتمد على تقنياتٍ لم تُختبر بعد في الخليج. يزيد يعرف أنه يلعب بالنار. ويعرف أيضاً أن الرجل الجالس أمامه هو النار نفسها.
حولهما جلس المستشارون والمحامون وممثلو الوزارات، وجوهٌ باهتةٌ تتحدث بأرقامٍ ومواعيد. لكن الغرفة كلها كانت تدور حول الرجلين فقط. كأن الآخرين مجرد ديكورٍ متحرك.
بدأ العرض. قدّم فريق راكان الرشيد أولاً. صوته جاء هادئاً، مقاساً، كل كلمةٍ موضوعةٌ كحجرٍ في بناءٍ لا يهتز. «المدينة الذكية التي نطرحها لا تعتمد على الوعود. تعتمد على بنيةٍ تحتيةٍ موجودةٍ أصلاً في محفظة آل الرشيد: شبكة اتصالاتٍ خاصة، شراكاتٌ مع شركات الطاقة الشمسية الأوروبية، ونظام أمنٍ سيبراني طُوّر محلياً وصُدّق عليه من جهاتٍ سيادية. التكلفة أقل بنسبة اثني عشر في المئة، والجدول الزمني أقصر بثمانية أشهر. المخاطر محسوبة. العائد مضمون.»
توقف. نظر إلى الشاشة، ثم إلى الوجوه، وأخيراً — للحظةٍ واحدة — إلى يزيد. لم يبتسم. لم يتحدَّ. اكتفى بأن يكون موجوداً، صلباً، كأنه يقول: هذا ما أنا عليه. حاول أن تكسِرني.
يزيد الحربي لم ينتظر دوره الرسمي. انحنى أكثر، وضع يديه على الرخام الأسود، وشعر بأثر البرودة ينتقل إلى كفيه. «محسوبة؟» قال بصوتٍ أخشن، فيه شيءٌ من السخرية الحادة. «أنتم تبنون على ما هو موجود. نحن نبني ما سيكون. تقنيات البلوك تشين لإدارة العقود الحكومية في الوقت الفعلي، ذكاءٌ اصطناعي يتنبأ باستهلاك الطاقة قبل أسبوع، وشراكةٌ مع شركاتٍ آسيوية تمنحنا أفضليةً في التكلفة الحقيقية. نعم، المخاطر أعلى. لكن العائد... العائد يغيّر قواعد اللعبة في الرياض كلها. رؤية ٢٠٣٠ لا تريد نسخاً محسّنة. تريد قفزة.»
همس أحد المستشارين في الخلف. راكان الرشيد لم يحرّك رأسه. اكتفى بأن يميل قليلاً إلى الخلف أكثر، أصابع يده اليمنى تضرب الرخام ببطءٍ محسوب. «القفزة التي تتحدث عنها، يزيد الحربي، تعتمد على خوارزميةٍ لم تُختبر في بيئةٍ صحراوية حقيقية. الحرارة، الغبار، التقلبات في الشبكة الكهربائية... كلها عوامل تجعل نموذجكم يعاني من نسبة خطأٍ تتجاوز الحدود المقبولة في المشاريع السيادية. لقد راجعنا الورقة التقنية. البيانات ناقصة. الافتراضات متفائلة أكثر مما ينبغي.»
الصمت سقط كحجر. يزيد شعر بفكّه يتصلب. الدم يندفع إلى صدغيه. هذا الرجل... هذا الرجل البارد كالصحراء ليلاً... كيف يجرؤ؟ «البيانات ليست ناقصة. أنت اخترت أن تقرأها بطريقةٍ تخدم عطاءك. النموذج صُمم ليتحمل. وقد اختبرناه في ظروفٍ مشابهة في الإمارات.»
«ظروفٌ مشابهة ليست ظروفاً مطابقة.» صوت راكان بقي منخفضاً، لكنه قطع كسكين. «والاختبارات التي أجريتموها كانت على نطاقٍ صغير. نحن نتحدث عن مدينةٍ كاملة. عن أرواحٍ تعتمد على هذه الأنظمة. عن سمعة المملكة. العائلة التي تمثلها قد تكون مستعدة للمقامرة. آل الرشيد... لا.»
الكلمات سقطت. يزيد انحنى إلى الأمام أكثر، حتى كادت كتفه تلامس الطاولة. «آل الحربي لا يقامرون. هم يرون ما لا يراه الآخرون. وأنت...» توقف. نظر مباشرةً في عيني راكان. «أنت ترى كل شيء. لكنك تختار أن تدفن ما يخيفك تحت طبقاتٍ من الحسابات.»
للحظةٍ، لم يتكلم أحد. همهمة التكييف بدت أعلى. رائحة القهوة صارت أثقل. الضوء المنعكس على الرخام الأسود ارتجف كأن شيئاً تحرك تحته. راكان الرشيد شعر بنبضه يضرب تحت الثوب، في مكانٍ لا يُرى. هذا الرجل... يزيد الحربي... ليس مجرد خصم. هو المرآة الوحيدة التي تعكس شيئاً حقيقياً. الندّ الوحيد في الغرفة. الندّ الوحيد في الرياض كلها ربما. شيءٌ أسخن من الكراهية تحرك في صدره. شيءٌ يشبه الاعتراف. شيءٌ يشبه الرغبة في أن يكسر هذا الوجه الحاد، أو... أو أن يقترب منه أكثر.
نظرا إلى بعضهما. عبر الطاولة المصقولة، عبر الأرقام والخرائط والمخططات. النظرة طالت نصف ثانيةٍ أكثر مما ينبغي. نصف ثانيةٍ كافية ليحترق فيها الهواء. راكان رأى في عيني يزيد شرارةً متقلبة، شيئاً يشبه الجوع. ويزيد رأى في عيني راكان عمقاً بارداً يخفي تحته ناراً لم تُسمَّ بعد. كلاهما أدرك في اللحظة نفسها: هذا ليس مجرد تنافس أعمال. هذا صدام أرواح.
ثم أدارا وجهيهما. راكان أولاً، ببطءٍ محسوب، كأنه ينهي معركةً لم تبدأ بعد. يزيد بعده، فكّه لا يزال مشدوداً، لكن عينيه تجنبتا الالتقاء مرةً أخرى. المستشارون تنفسوا. أحدهم سعل. آخر قلب صفحةً في ملفه. لكن التوتر بقي معلقاً في الهواء، كثيفاً كالدخان.
استمرت المناقشات. أرقامٌ إضافية. أسئلةٌ من ممثلي الجهات الحكومية. راكان أجاب بهدوءٍ استراتيجي، كل جملةٍ تبني جداراً. يزيد هاجم، قاطع، أعاد صياغة النقاط، حاول استعادة الأرض. لكن تحت الكلمات، كان كلاهما يشعر بالشيء نفسه: الحرارة التي أشعلتها تلك النظرة. لم يعترف أيٌّ منهما. لم يستطع. الولاء للعائلات، للإمبراطوريات، للرؤية... كل ذلك يقف بينهما كجدارٍ من زجاجٍ أسود. ومع ذلك، كان الزجاج يهتز.
راكان شعر بيده ترتجف قليلاً تحت الطاولة، فقبضها. «العطاء الذي نقدمه ليس فقط الأرخص والأكثر أماناً. هو الوحيد الذي يحترم خصوصية البيانات السيادية. نموذجكم، يزيد، يفتح أبواباً لشركاءٍ خارجيين أكثر مما ينبغي. في عالمٍ يتغير بسرعة، الولاء... الولاء يجب أن يكون محلياً أولاً.»
يزيد ضحك ضحكةً قصيرةً خشنة. «الولاء؟ أنت تتحدث عن الولاء وأنت تبني جدراناً حول نفسك منذ أن دخلت الغرفة. آل الرشيد يخافون من القفزة لأنهم تعودوا على السيطرة. نحن... نحن نعرف كيف نرقص مع النار دون أن نحترق. أو نحترق معاً. لا فرق.»
الكلمة الأخيرة خرجت أخفض. ربما لم يسمعها إلا راكان. وربما كان ذلك مقصوداً. راكان شعر بشيءٍ ينقبض في صدره. هذا الرجل يتكلم كمن يعرفه منذ زمن. كمن يرى خلف القناع. نبضه ازداد سرعة. تحت الثوب، الجلد يحترق. أراد أن ينهض، أن يعبر الطاولة، أن... لا. الاستراتيجية. العائلة. الإمبراطورية. كل ذلك يأتي أولاً. لكن النظرة... النظرة كانت قد فعلت شيئاً لا يُلغى.
مرت ساعة. ثم أخرى. الشمس خارج النوافذ الزجاجية مالت، فصارت أضواء الأفق أكثر وضوحاً على الرخام الأسود. همهمة التكييف استمرت، ثابتة، كأنها نبض الغرفة نفسها. نداء الأذان جاء مرةً أخرى، أبعد، مكتوماً أكثر، كأنه يذكرهم بأن العالم الخارجي لا يزال موجوداً، وأن الصلاة والصفقات يمكن أن يتعايشا في الرياض نفسها.
أخيراً، أعلن رئيس الجلسة انتهاء الاجتماع. «سنراجع العطاءين خلال الأيام القادمة. القرار سيكون في يد اللجنة العليا. شكراً لكما.»
الكراسي تحركت. الأوراق جُمعت. المستشارون نهضوا، يتهامسون. راكان الرشيد بقي جالساً لحظةً إضافية. نظر إلى يزيد الذي كان يقف بالفعل، يجمع ملفاته بحركةٍ حادة. ثم، ضد كل غريزةٍ استراتيجية، ضد كل ما علّمته العائلة عن عدم إظهار الضعف أو الرغبة، نهض راكان واقترب. الخطوتان كانتا هادئتين. عندما صار قريباً بما يكفي لأن لا يسمع أحد، قال بصوتٍ منخفض، خشن قليلاً من شيءٍ لم يُسمَّ:
«الاجتماع انتهى. لكن النقاش... النقاش لم ينتهِ. تعال الليلة إلى الديوانية. ديوانية آل الرشيد. نكمل... الحديث.»
الكلمات علقت في الهواء بين الرجلين كفتيلٍ مشتعل. يزيد توقف. رفع رأسه. عيناه السوداوان ثبتتا على راكان. شيءٌ يشبه الصدمة مرّ فيهما، ثم شيءٌ أسخن. فكّه تشدد مرةً أخرى، لكن هذه المرة ليس من الغضب وحده. من الاعتراف. من الدعوة التي لم يكن يتوقعها. الدعوة التي تشبه الفخ، وتشبه الباب المفتوح إلى جحيمٍ لذيذ.
لم يجب فوراً. الغرفة من حولهما كانت تفرغ. صوت الأقدام على الرخام. همهمة المحادثات الجانبية. رائحة القهوة الباردة الآن. راكان انتظر. نبضه يصرخ تحت الثوب. كل حساباته تقول إن هذه الدعوة خطأ. إنها تعطي الخصم فرصة. إنها تكشف شيئاً. لكنها خرجت منه كأنها كانت مخزنةً منذ اللحظة التي تقاطعت فيها نظراتهما.
يزيد أخيراً أمال رأسه قليلاً. صوتُه جاء خفيضاً، متقلباً، فيه وعدٌ وتهديد: «الديوانية... الليلة. سأرى إن كان آل الرشيد يملكون الشجاعة ليواجهوا ما يبدأونه.»
ثم ابتعد. خطواته سريعة، حادة. راكان بقي واقفاً بجانب الطاولة السوداء، يرى انعكاس الأضواء فيه، ويشعر بالحرارة التي خلفتها النظرة والدعوة. خارج النوافذ، الصحراء تنتظر. داخل صدره، شيءٌ آخر ينتظر أيضاً. شيءٌ لا يملك اسماً بعد. شيءٌ سيكلّف الإمبراطورية... أو الأرواح. أو كليهما.
الليل في الرياض لم يكن قد بدأ. لكن الفتيل كان قد أُشعل.