في الصباح التالي، بعد ليلةٍ لم ينم فيها أحد، فتحت الشمس أبوابها ببطء على الفيلا المحمية. الجدران العالية كانت ما زالت تحاصرهما كأذرعٍ حجرية، والكاميرات الخارجية تدور بهدوءٍ آليّ. يزيد المطلق استيقظ أولاً. جلس على حافة الكنبة، يده ما زالت تحمل خدوش الشظايا من الليلة السابقة، ورائحة الياسمين تدخل من النافذة المواربة كأنها تتسلل لتذكّره أنه سجين. فيصل الدوسري كان ممدداً على الكنبة المقابلة، عيناه مفتوحتان قليلاً، يراقب السقف كأنه يبحث عن ثغرة. لم يتكلما. فقط نهضا معاً حين رنّ الهاتف الرسمي المشترك.
— الاجتماع الأول خلال ساعة. مصوران. وثائق «أفق الرياض». قهوة. ابتسامات. — صوت الحارس من الخارج كان جافاً.
في الفناء الداخلي المظلل، حيث النخيل الطويل يُلقي ظلالاً متكسرة على الأرضيات الرخامية، رُتّبت طاولة خشبية ثقيلة. فناجين القهوة العربية مصفوفة، والهيل والزعفران يبعثان بخاراً مراً-حلواً يختلط بريح الرياض الجافة التي تهزّ سعف النخيل بصوتٍ خافت كحفيف أسرار. يزيد المطلق ارتدى ثوباً أبيض نظيفاً، عقاله مستقيم. فيصل الدوسري فعل الشيء نفسه. جلسا متقابلين. الوثائق منتشرة بينهما: خرائط، أرقام، عروض فاسدة مكتوبة بلغةٍ نظيفة. المصوران انتظرا في الزاوية، كاميراتهما جاهزة.
يزيد المطلق فتح دفتر ملاحظاته عمداً. تركه مفتوحاً، الصفحة التي تحمل أرقامه السرية عن تكلفة الخرسانة والعمولات المخفية. نظر إلى فيصل الدوسري من طرف عينه. فيصل الدوسري مدّ يده، قلب الصفحة ببطء، «سرق» نظرةً طويلة. أصابعه توقفت على رقمٍ. لم يقل شيئاً. فقط رفع حاجبه. يزيد المطلق شعر بحرارةٍ ترتفع في صدره. هذا اللعب. هذا السماح. كأنه يقول: انظر، أنا أعرف أنك ستأخذ، وأنا أترك لك.
— الرقم هنا خاطئ. — قال فيصل الدوسري فجأة، صوته منخفض حتى لا يسمعه المصورون. مدّ يده إلى لوحة يزيد المطلق الإلكترونية. أصابعه لمست الشاشة، صححت الرقم. ثم بقيت. لم تبتعد. الإصبع استقر على حافة المعصم، حيث النبض. ثانية. ثانيتين. ثلاث. يزيد المطلق لم يسحب يده. شعر باللمسة كجمرٍ صغير ينتقل عبر الجلد. فيصل الدوسري رفع عينيه. التقيا. المصور قال: «ابتسما. أمسكا الوثائق معاً».
ابتسما. المصافحة الثانية اليوم. لكن يد يزيد المطلق ارتفعت أعلى هذه المرة. استقرت على مؤخرة عنق فيصل الدوسري، أصابعه تدفن قليلاً في الشعر القصير خلف الأذن. كانت لمسةً للمصور: شراكة. ولاء. لكن تحتها، كانت ملكية. ادّعاء خاص. فيصل الدوسري لم يبتعد. بدلاً من ذلك، أجاب. أصابعه أحكمت على معصم يزيد المطلق، قبضة قوية، كعهدٍ لا يُقال. الكاميرا تومض. الريح تهزّ النخيل. صوت فناجين القهوة حين ارتطمت ببعضها — كلينك — كأنه يقطع الهواء.
بعد التصوير، غادر المصوران. الحراس أغلقوا البوابة من جديد — كليك. بقيا وحدهما في الظل. يزيد المطلق سكب القهوة. البخار يرتفع، رائحة الهيل والزعفران تملأ الفناء. شربا. الفناجين تصطكّ حين تُوضع. الوثائق ما زالت مفتوحة. لكن الكلام تغيّر.
— أبي كان يضربني إذا خسرت صفقةً في المدرسة. — قال يزيد المطلق فجأة، صوته أجش، ينظر إلى الفنجان لا إلى فيصل الدوسري. — فهد المطلق. كان يقول: الولاء للعائلة يعني أن تفوز دائماً. حتى لو كذبت. حتى لو سرق. كنت في العاشرة، وأنا أبني نماذج أبراج من الكرتون وأحرقها إذا لم تكن مثالية.
فيصل الدوسري ضحك ضحكةً قصيرة، مرة. — ناصر الدوسري كان أسوأ. كان يجلسنني أمام الحسابات في الثالثة صباحاً. يقول: المال لا ينام، وأنت لن تنام حتى تحفظ كل رقم. كنت أخاف الظلام أكثر من خوفي منه. لكن الخوف أصبح عادة. مثل هذه القهوة. مرة ومرة، حتى لا تستطيع الاستغناء.
نظر كل منهما إلى الآخر عبر الطاولة. الريح الجافة تهزّ السعف. الظلال تتحرك. يزيد المطلق مدّ يده، قلب وثيقةً، تركها مفتوحة أكثر. فيصل الدوسري صحح رقماً آخر، أصابعه تبقى أطول. الحرارة تنتقل. الرغبة التي رفضت الاسم في القاعة العلوية، والتي جعلها الفيديو مرئية، كانت الآن تجلس بينهما كالشخص الثالث. كلاهما يشعر بها. كلاهما يخافها. لأن الحاجة تعني الاستسلام. الاستسلام يعني خسارة العطاء. خسارة العطاء تعني حرق السلالة.
الليل جاء سريعاً. الاجتماعات تكررت: قهوة أخرى، وثائق أخرى، صور أخرى. يد يزيد المطلق على عنق فيصل الدوسري مرة ثانية، وثالثة. قبضة فيصل الدوسري على المعصم تزداد إحكاماً. في المرة الرابعة، بعد أن غادر الجميع، جلسا في المجلس الداخلي. المصباح الكهرماني الوحيد مضاء. الساعة الثالثة صباحاً. الوثائق متروكة على الطاولة كجثث. الريح في الخارج تهزّ النخيل بصوتٍ أعلى. رائحة الياسمين والهيل والزعفران ما زالت عالقة في الثياب.
يزيد المطلق نهض. دار حول الطاولة. وقف أمام فيصل الدوسري. لم يقل «ابتعد». لم يقل «اقترب». فقط مدّ يده، وضعها من جديد على مؤخرة العنق. هذه المرة بلا كاميرا. بلا مصور. الإصبع يضغط قليلاً. فيصل الدوسري رفع رأسه. عيناه سوداوان في الضوء الكهرماني. مدّ يده، أمسك بالمعصم. لم يسحبه. أبقاه. النبض تحت الإصبعين يتسارع. كلاهما يتنفس بصعوبة.
— أكره هذا. — همس يزيد المطلق. — أكره أنني أحتاج أن تبقى هنا. أنني أترك الملاحظات مفتوحة لترى. أنني أحسب أنفاسك في الظلام.
— وأنا أكره أنني أصحح أرقامك فقط لألمس. أنني أستيقظ على رائحتك. أنني أخاف أن يخرجني الحراس غداً. — صوت فيصل الدوسري كان منخفضاً، قريباً من الشفتين.
اقتربا. لا قبلة. لا أكثر. فقط الجباه تلامس. الأنفاس تختلط. يد يزيد المطلق تنزل قليلاً إلى الكتف، ثم تعود إلى العنق، تمسك. يد فيصل الدوسري تشدّ المعصم، ثم ترتفع إلى الساعد، تبقى. الحرارة. الجوع المتساوي. الرغبة المحرقة التي ترفض الاسم لكنها الآن لها شكل: هذا السكون. هذا الصمت. هذا الإدمان الذي يبدأ هنا. كلاهما يشعر به. كلاهما يعرف أنه لن يستطيع التوقف. الأخلاق معقدة. العطاء فاسد. السلالتان مهددتان. لكن الجسد يقول شيئاً آخر: ابقَ. ابقَ أقرب.
استمرا هكذا دقائق. لا كلمات. فقط التنفس. الريح في الخارج. صوت سعف النخيل. الفنجان الفارغ على الطاولة يصدر صوتاً خفيفاً حين اهتزت الطاولة قليلاً من حركةٍ. ثم انفصلا ببطء. لكن ليس تماماً. بقيت اليد على العنق. بقيت القبضة على المعصم. الصمت مشترك. الإدمان مشترك. كلاهما يعرف أنهما لن يناما الليلة. ولن يناما الليلة التالية. الليالي ستصير بلا نوم، مليئة بهذه الملكية الصامتة.
فيصل الدوسري اقترب أكثر في النهاية. وضع جبهته على كتف يزيد المطلق. ثم انخفض. شفتاه اقتربتا من الحلق. لم تقبّلا. فقط استقرتا هناك، ضد الجلد، حيث النبض يقفز. همس، صوته يهتز ضد الحلق مباشرة:
— لم أحتج أحداً بهذه الطريقة من قبل. وأنا أكره بالفعل كم سأدفع ثمناً لهذا.
يزيد المطلق أغمض عينيه. يده على العنق أحكمت. لم يرد. فقط أبقى فيصل الدوسري هناك. الفيلا مغلقة. العطاء ينتظر. الفضائح في الخارج. لكن هنا، في الظل، مع رائحة القهوة الباردة والياسمين والريح الجافة، أصبحا شيئاً آخر. شيئاً يملك كل منهما الآخر دون أن يقول الكلمة. شيئاً سيحرقهما معاً، ولن يستطيعا الإفلات.
الساعات مرت. الضوء الكهرماني بقي. الوثائق بقيت. اليدان بقيتا. والليل في الرياض استمر، يحمل في طياته الولاء الذي لم يعد نظيفاً، والرغبة التي أصبحت أقوى من أي عطاء.