في الساعة الثانية صباحاً، انفجر الضوء الأزرق البارد من شاشات الهواتف داخل قصور الرياض كأنه نصلٌ يخترق الظلام. لم يكن ضوءاً عادياً؛ كان ضوءاً مريضاً، يرقص على الجدران الرخامية ويحول الوجوه إلى أقنعة شاحبة. في فيلا المطلق شمال الرياض، حيث الجدران العالية تفصل العائلة عن المدينة كقلعةٍ صامتة، رنّ هاتف يزيد المطلق على الطاولة الرخامية السوداء. ثم رنّ مرةً ثانية. وثالثة. ثم انهمرت الإشعارات كالمطر الأسود: تيليجرام، واتساب، قنوات مجهولة بأسماءٍ مزيفة، روابط تتكرر كاللعنة.
رفع يزيد المطلق الهاتف. عينااه ما زالتا محمّرتين من الأرق، وجسده ما زال يحمل رائحة الهيل والجلد الجديد من تلك القاعة العلوية. ضغط على الرابط الأول. الفيديو بدأ. جودةٌ رديئة، لكن كافية. الكاميرا من زاويةٍ جانبية، ربما من هاتفٍ مخفي أو كاميرا أمنٍ مخترقة. يرى نفسه يدفع صدر فيصل الدوسري بقوة حتى يرتطم ظهره بحافة الطاولة. يرى يده تبقى على الصدر. يرى أصابع فيصل الدوسري تمسك معصمه. يرى الوجهين يقتربان. يرى التنفس الساخن. يرى اللحظة التي طالت أكثر مما ينبغي. ثم الإبطاء. الفيديو يُبطأ عمداً. كل نبضة، كل اهتزاز في الجفن، كل لمسةٍ تصبح دليلاً على شيءٍ لا يُقال. تعليقاتٌ تتدفق تحت الفيديو: «انظر كيف ينظران»، «هذا ليس غضباً فقط»، «يزيد المطلق وفيصل الدوسري... الله يستر».
الطعم المعدني للذعر ملأ فم يزيد المطلق. رمى الهاتف. لم يكتفِ بالرمي. رفعه ثانيةً وضربه بقوةٍ وحشية على الرخام الأسود. تحطم الزجاج. تناثرت الشظايا كنجومٍ ميتة. صرخ صرخةً مكتومة، ثم أخرى أعلى، حتى ارتجّت الثريات. الباب انفتح. دخل فهد المطلق، بثوبه الأبيض المكرمش، عيناه مليئتان بنارٍ باردة. لم ينظر إلى الهاتف المحطّم. نظر إلى ابنه فقط.
— رأيت؟ قال فهد المطلق، صوته كصوت الحجر حين ينكسر. كل الرياض رأت. كل الخليج. والعطاء... «أفق الرياض» أصبح فضيحةً قبل أن يُبنى حجرٌ واحد.
يزيد المطلق لم يرد. كان يمسح الدم من كفه حيث خدشته الشظايا. قال أخيراً، بصوتٍ أجش:
— من سربه؟ من كان يصور؟
— لا يهم. المهم الآن أن نطفئ الحريق قبل أن يحرقنا جميعاً. ناصر الدوسري اتصل. الغضب يأكله كما يأكلني. لكنه يعرف أن الفضائح المشتركة تُقتل بالاشتراك. ستذهبان معاً. ستظهران معاً. مصافحة. ابتسامة. بيان مشترك. وستبقيان في الفيلا المحمية حتى تهدأ العاصفة. لا نقاش.
في الجهة الأخرى من المدينة، في مجمع الدوسري المحاط بأشجار النخيل العالية ورائحة الياسمين الثقيلة التي تتسلل من الحدائق الليلية، وقف فيصل الدوسري أمام والده كتمثالٍ من الرخام. الهاتف ما زال في يده، الشاشة مضيئة بالفيديو نفسه. رأى يد يزيد المطلق على صدره. رأى أصابعه هو تمسك بالمعصم. رأى كيف أن الإبطاء جعل كل شيء يبدو كرغبةٍ عنيفة لا كجدال. شعر بحرارةٍ ترتفع في رقبته رغم برودة المكيف. ناصر الدوسري كان يمشي ذهاباً وإياباً، عقاله مائل قليلاً من الغضب، صوته يقطع الهواء كسوط:
— تقف هناك كالأبله بينما اسمنا يُسحَق؟ أنت وفيصل... لا. أنت ويزيد المطلق. الفيديو يقول إنكما... شيء. شيء قذر. شيء يدمّر الصفقات. الوزراء يتصلون. المستثمرون يسحبون. «أفق الرياض» قد يُلغى أو يُمنح لغيرنا. الحل الوحيد: مصالحة علنية. فورية. ستسكنان في الفيلا نفسها. حراسة مشددة. أبواب تُقفل. لن يراكما أحد منفصلين حتى نُصدر البيان ونُظهر الوحدة. هل فهمت؟
فيصل الدوسري بقي متجمداً. لم يحرّك رأسه. فقط قال، بصوتٍ منخفضٍ جداً:
— لن أبتسم له.
— ستبتسم. وستصافحه. وستنامان في المكان نفسه إن لزم الأمر. لأن البديل هو أن نفقد كل شيء. أنت تفهم الولاء؟ الولاء الآن هو أن تتحمل وجوده. أن تجعله يبدو كحليفٍ لا كعدوٍ يلامس صدرك أمام الكاميرات.
رائحة الياسمين دخلت من النافذة المفتوحة. الهواء الليلي ثقيل، حار رغم الساعة. فيصل الدوسري شعر بالنبض في معصمه تماماً حيث لمسته يد يزيد المطلق قبل ساعات. أراد أن يكسر شيئاً. أراد أن يركض. لكنه وقف صامتاً بينما يصدر ناصر الدوسري الأوامر للحراس: انقلوهما الليلة. الفيلا المشتركة. الجدران العالية. البوابات الإلكترونية.
قبل الفجر بساعة، وصلت السيارات السوداء. يزيد المطلق نزل أولاً أمام الفيلا المحمية في حيٍ راقٍ، حيث الأسوار ترتفع كجبالٍ صناعية، والكاميرات تدور كعيونٍ لا تنام. رائحة الياسمين هنا أقوى، تختلط برائحة التراب المبلل من الري الليلي. البوابة الإلكترونية أصدرت صوتاً ميكانيكياً حاداً — كليك — ثم أغلقت خلفه. بعد دقائق، وصلت سيارة فيصل الدوسري. نزل. نظر إلى يزيد المطلق عبر الفناء. لم يتكلما. الحراس قادوهما إلى الداخل.
المجلس فارغ. سجاد أحمر فاخر. كنبات جلدٍ بني. ثريات منخفضة. مصور رسمي ينتظر مع كاميرته. فهد المطلق وناصر الدوسري وصلا لاحقاً عبر مكالمة فيديو على الشاشة الكبيرة، صوتاهما يتداخلان:
— مصافحة. ابتسامة. الآن. البيان يُنشر عند الشروق. أنتما هنا حتى نأمر بالخروج. لا هواتف شخصية. لا اتصالات. الحراسة تمنع الخروج.
يزيد المطلق تقدّم. فيصل الدوسري تقدّم. المسافة بينهما متر. ثم نصف متر. يد يزيد المطلق امتدت. يد فيصل الدوسري لامستها. المصافحة كانت قوية، أطول مما ينبغي، تماماً كما في الفيديو. الكاميرا تومض. الابتسامات فُرضت: شفتا يزيد المطلق مشدودتان كسلك، وعينا فيصل الدوسري تلمعان بشيءٍ أسود. المصور قال «ابتسما أكثر». ابتسما. لكن تحت الابتسامة، كان كل منهما يحسب نبض الآخر في الكف.
بعد انتهاء التصوير، غادر المصور. غادر الحراس إلى الخارج. البوابة أغلقت مرةً أخرى — كليك ميكانيكي ثقيل. صمت. يزيد المطلق أدار ظهره ودخل الممر المؤدي إلى غرف النوم. فيصل الدوسري تبعه دون أن يُدعى. المجلس الكبير أصبح سجناً. جلسا على كنبتين متقابلتين. لم يتكلما ساعةً كاملة. فقط صوت المكيف، ورائحة الياسمين تتسلل من النوافذ المغلقة، والضوء الخافت.
أخيراً قال يزيد المطلق، صوته خشن كالرمل:
— من سربه؟ أنت؟
فيصل الدوسري ضحك ضحكةً قصيرة، مريرة:
— لو كنت أنا، لما أبطأت اللحظة التي تلمس فيها صدري. كنت سأحرقك فوراً. لا. شخص ثالث. ربما حارس. ربما وزير يريد إسقاط العطاء. لا يهم. الآن نحن هنا. سجينان في قفصٍ واحد لأن آباءنا يخافون أكثر مما يكرهون.
يزيد المطلق نهض. دار حول الطاولة. اقترب. وقف فوق فيصل الدوسري الذي بقي جالساً، رأسه مرفوع، عيناه ثابتتان:
— أكرهك. أكره كيف أن الفيديو جعل كل شيء يبدو... حقيقياً.
— وأنا أكره كيف أن يديك ما زالتا تحترقان في ذاكرتي. كيف أن النبض هناك — وأشار إلى معصمه — لم يتوقف منذ تلك الليلة.
الصمت عاد أثقل. ثم، دون اتفاق، استلقيا. يزيد المطلق على الكنبة اليمنى. فيصل الدوسري على اليسرى. الظلام الجزئي. كل منهما يظاهر بالنوم. لكن عيون يزيد المطلق بقيت مفتوحة قليلاً، تراقب صدر فيصل الدوسري يرتفع وينخفض. يحسب الأنفاس. يحسب كيف يمنعه من المغادرة غداً. كيف يبقيه قريباً تحت ذريعة «الولاء» و«البيان». وفي الجهة المقابلة، عينا فيصل الدوسري تلمعان في الظلام، تراقبان وجه يزيد المطلق المشدود. يرى الشفة السفلى. يرى الخدش القديم على المعصم. يحسب كيف يحوّل هذه العزلة المشتركة إلى قيدٍ لا يُفك. كيف يجعل يزيد المطلق يحتاج إليه أكثر من حاجته للهواء.
الساعات مرت. الفجر اقترب. الهواتف الرسمية رنت — هاتف واحد مشترك تركه الحراس. البيان المشترك جاهز: «يزيد المطلق وفيصل الدوسري يؤكدان وحدتهما في دعم مشروع أفق الرياض، ويعتبران اللقاء الخاص نقاشاً حاداً بنّاءً حول مستقبل الوطن. العائلتان متحدتان». البيان نُشر. التعليقات انفجرت من جديد، لكن الآن بطريقةٍ أخرى: «انظروا كيف تصالحا»، «الولاء فوق كل شيء». لكن داخل الفيلا، لم يُحررهما البيان. حبسهما. جدران عالية. بوابات مغلقة. حراس. لا خروج. لا انفصال. أصبحا رهينتين خاصتين بعد أن كانا عدوين عامين.
نهض يزيد المطلق عند الشروق. مشى إلى النافذة. رأى الجدران. رأى الكاميرات الخارجية تدور. التفت. وجد فيصل الدوسري واقفاً خلفه مباشرة، أقرب مما ينبغي. رائحة الياسمين والجسد الدافئ. قال يزيد المطلق دون أن يلتفت تماماً:
— هذا لن يدوم. سأخرج.
فيصل الدوسري لم يبتسم. مدّ يده ببطء، أمسك بمقبض الباب الداخلي للمجلس — الباب الذي يفصلهم عن الممر المؤدي إلى الخارج — وأدار المفتاح. صوت القفل المعدني واضح، نهائي. التفت إلى يزيد المطلق. اقترب خطوة. صوته انخفض إلى ذلك السجل الخاص الذي يجعل الهواء يثقل:
— الكاميرات في الخارج لن ترى أبداً ما سيحدث هنا بعد الآن.
بقيت العيون متشابكة. الحرارة عادت. الرغبة المحرقة التي رفضت الاسم في القاعة العلوية عادت أقوى، لأن الفيديو جعلها مرئية، ولأن الجدران الآن تجعلها حتمية. يزيد المطلق شعر بالنبض يقفز. فيصل الدوسري لم يحرّك يده عن القفل. المدينة في الخارج تستيقظ على فضيحة الولاء، بينما هما داخل الفيلا المقفلة، محاصران بالياسمين والرخام والضوء الأزرق البارد الذي ما زال يتسلل من الشاشات المحطمة في الذاكرة. لا هروب نظيف. لا ولاء نظيف. فقط الرغبة التي تطالب بالبقية، والليل القادم الذي لن يكون فيه نوم.